لما القلب اختار

لما القلب اختار

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about لما القلب اختار

لما القلب اختار

ملك كانت دايمًا بتقول إن حياتها مملة.

جامعة، بيت، سارة صاحبتها، شوية خروجات، وشوية أحلام مؤجلة لبعدين.

كانت بنت بسيطة، بتحب التفاصيل الصغيرة، وبتفرح لما مامتها تعمل لها الأكلة اللي بتحبها، وبتقعد بالساعات تتكلم مع سارة عن المستقبل وكأنهم ضامنين إن الدنيا هتمشي زي ما هما عايزين.

لحد اليوم اللي كل حاجة فيه اتغيرت.

كانت ملك راجعة من الجامعة، ولسه بتكلم سارة في الموبايل.

— أنا خلاص قربت أوصل.

ضحكت سارة وقالت:

— متتأخريش بقى، ماماكي هتزعقلك.

— عارفة، عارفة.

قفلت المكالمة.

وبعدها بدقائق، اختفت كل تفاصيل اليوم من ذاكرتها.


لما فتحت عينيها، أول حاجة حست بيها كانت الصداع.

بصت حواليها.

أوضة غريبة.

سرير، دولاب، شباك مقفول، وباب قدامها.

قامت بسرعة وراحت للباب.

لفت المقبض.

مقفول.

خبطت عليه بكل قوتها.

— حد هنا؟!

مفيش رد.

— افتحوا الباب!

فضلت تخبط لحد ما سمعت صوت مفتاح.

الباب اتفتح.

دخل شاب في أواخر العشرينات، لابس قميص غامق، وملامحه هادية بشكل مستفز.

ملك رجعت لورا.

— إنت مين؟

— ياسين.

— أنا فين؟

— في مكان آمن.

صرخت:

— أنا مش عايزة مكان آمن! أنا عايزة أرجع بيتي!

ياسين سكت.

— إنت اللي جبتني هنا؟

هز راسه.

— أيوه.

ملك بصتله بعدم تصديق.

— يعني إنت خاطفني؟

— أيوه.

اتجمعت الدموع في عينيها.

— ليه؟

— عشان في ناس بتدور عليكِ.

— وأنا مالي؟

— الموضوع له علاقة بوالدك.

اتجمدت مكانها.

— بابا؟

— أيوه.

— بابا ماله؟

— مش هقدر أقولك دلوقتي.

صرخت:

— يبقى رجعني له!

— لو رجعتك دلوقتي، ممكن توصلي لهم.

— وإنت فاكر إن ده يديك الحق تخطفني؟!

ياسين بص لها للحظات.

— لأ.

كانت الإجابة مفاجئة.

— لأ، ميدينيش الحق.

— أمال؟

— مفيش أمال.

سابها وخرج.

ملك فضلت واقفة مكانها، مش فاهمة أي حاجة.

لكن حاجة واحدة كانت واضحة:

هي محبوسة.

والشخص اللي حابسها اسمه ياسين.


الأيام الأولى كانت صعبة.

ملك كانت بتعيط كتير.

كانت بتنام وهي حاضنة المخدة، وتصحى وهي للحظة مش فاكرة هي فين، وبعدين الحقيقة ترجع لها مرة واحدة.

ياسين كان بيتجنبها.

كان بيحط الأكل قدام الباب، ولو احتاجت حاجة بيجيبها من غير أسئلة.

وفي يوم، ملك كانت قاعدة على الأرض، وسمعت صوت الموبايل بتاعه من الصالة.

سمعته بيقول:

— لأ، محدش يقرب منها.

سكت.

— قولتلك محدش.

سكت تاني.

— حتى لو الموضوع هيكبر.

قفلت الباب عليها، لكنها فضلت تفكر في كلامه.

مين الناس دول؟

وليه ياسين مستعد يخاطر عشانها؟


بعد حوالي أسبوعين، ملك كانت قاعدة على السفرة، وياسين قدامها.

قالت:

— إنت هتفضل ساكت كتير؟

رفع عينه من الكوباية.

— عايزة تسألي عن إيه؟

— عن كل حاجة.

— اسألي.

— مين الناس اللي بتدور عليا؟

— ناس والدك كان داخل معاهم في شغل من زمان.

— شغل إيه؟

— مش شغل قانوني.

ملك اتنهدت.

— بابا عمره ما قالي حاجة.

— عارف.

— وإنت عرفت منين؟

— كنت شغال معاه زمان.

رفعت عينيها بسرعة.

— إنت كنت تعرف بابا؟

— آه.

— وإزاي؟

سكت.

— ياسين.

— كنت شغال عنده.

— وبعدين؟

— سيبته.

— ليه؟

بص لها.

— عشان اكتشفت إنه مش الشخص اللي كنت فاكره.

ملك حست إن فيه حاجة ناقصة.

— يعني بابا وحش؟

— لأ.

— يبقى إيه؟

— غلط.

سكتت.

ثم قالت:

— وأنا ذنبي إيه؟

ياسين بص لها بحزن.

— مفيش ذنب.


مع مرور الوقت، بدأ الحاجز بينهم يقل.

مش لأن ملك نسيت إنه خطفها.

بالعكس.

كانت لسه غاضبة.

لكنها بدأت تشوف الإنسان اللي ورا الغموض.

عرفت إنه بيحب القهوة من غير سكر.

وإنه لما يتوتر بيفضل يمشي في المكان.

وإنه مش بيعرف يعبر عن مشاعره بالكلام.

وعرفت إنه فقد أمه وهو صغير.

وفي ليلة، كانوا قاعدين في الصالة.

ملك قالت:

— إنت عمرك حبيت؟

ياسين ضحك ضحكة قصيرة.

— سؤال غريب.

— ليه؟

— عشان أنا مش شخص رومانسي يعني.

— أنا مسألتكش رومانسي ولا لأ.

سكت.

— حبيت؟

بص قدامه.

— مرة.

— وبعدين؟

— انتهت.

— ليه؟

— عشان الظروف.

ملك بصت له.

— كل حاجة عندك ظروف؟

ابتسم.

— تقريبًا.

— غامض.

— وإنتِ فضولية.

— أنا مش فضولية.

رفع حاجبه.

— لأ؟

— لأ.

— تمام.

— متضحكش.

ضحك.

ملك حاولت تمنع نفسها من الابتسام.

وفشلت.


بعدها بدأت علاقتهم تتغير.

ياسين بقى يحكي لها عن يومه.

وهي بقت تحكيله عن الجامعة.

كان يسمعها وهي بتتكلم عن سارة، وعن الدكاترة، وعن حلمها إنها تفتح مكتبة صغيرة.

وفي مرة قالت:

— نفسي يكون عندي مكان صغير، فيه كتب وقهوة وورد.

قال:

— حلو.

— حلو إيه؟

— حلمك.

— إنت أول واحد يقولي كده.

— ليه؟

— الناس بتقوللي ده مش عملي.

— مش لازم كل الأحلام تكون عملية.

ابتسمت.

ومن يومها، كل ما تتكلم عن حلمها، كان يسمعها للنهاية.


لكن الحب ما جاش مرة واحدة.

جاء في تفاصيل صغيرة.

في مرة ملك كانت تعبانة، وياسين فضل صاحي بره أوضتها طول الليل.

وفي مرة هو كان تعبان، وهي لأول مرة سألته:

— إنت كويس؟

قال:

— آه.

— متكدبش.

ابتسم.

— إنتِ بقيتي تعرفيني؟

— شوية.

— دي مشكلة.

ضحكت.

وفي مرة اتخانقوا بسبب حاجة بسيطة.

ملك قالت:

— إنت مش من حقك تقرر كل حاجة عني!

رد بعصبية:

— وأنا بحاول أحميك!

— الحماية مش معناها إني أبقى محبوسة!

سكت.

الجملة أثرت فيه.

قال بهدوء:

— عندك حق.

ملك اتفاجئت.

— إيه؟

— عندك حق.

وبعدها بدأ يديها مساحة أكبر.

كانت أول مرة تحس إنه فعلًا بيحاول يصلح غلطه.


بعد شهرين، ياسين قال لها:

— خلاص.

— خلاص إيه؟

— تقدري تمشي.

قلبها دق بسرعة.

المفروض تفرح.

لكنها ما فرحتش.

— بجد؟

— بجد.

— والناس؟

— اتعاملنا معاهم.

— وبابا؟

— هيرجع يتواصل معاكي قريب.

سكتت.

— وإنت؟

— أنا مالي؟

— يعني… مش هتكون موجود؟

ابتسم بحزن.

— لا.

ملك بصت في الأرض.

— ليه؟

— عشان حياتك لازم ترجع طبيعية.

في الليلة دي، ملك ما نامتش.

كانت بتفكر في حاجة واحدة:

"ليه فكرة إني همشي عنه بتوجعني؟"


رجعت ملك بيتها.

أمها حضنتها وفضلت تعيط.

سارة لما شافتها فضلت تسألها مئات الأسئلة.

ملك حاولت ترجع لحياتها.

لكنها اكتشفت إن الحياة اللي كانت عايزاها قبل كده مش هي نفس الحياة اللي رجعت لها.

كانت بتفتكر ياسين.

كل يوم.

صوته.

طريقته.

حتى خناقهم.

لكنها كانت خايفة من مشاعرها.

لأنها عارفة إن اللي حصل بينهم بدأ بطريقة غلط.

وكان لازم تعرف:

هل بتحبه فعلًا؟

ولا كانت محتاجة وجوده؟


عدت أسابيع.

ملك بدأت تستعيد حياتها.

خرجت مع سارة.

رجعت الجامعة.

قعدت مع مامتها.

وبدأت تنام من غير خوف.

وفي يوم، وهي خارجة من الجامعة، شافت ياسين.

كان واقف بعيد.

ما قربش.

ملك وقفت مكانها.

هو قال:

— عاملة إيه؟

— كويسة.

— الحمد لله.

سكتوا.

ثم قالت:

— إنت ليه جيت؟

— كنت عايز أطمن عليكِ.

— وبس؟

— وبس.

ملك بصت له.

— كداب.

ابتسم.

— يمكن.

ضحكت.

وكانت أول مرة يشوفها من غير خوف.

قال:

— شكلك مبسوطة.

— بقيت أحسن.

— ده أهم حاجة.

سكتت شوية، وبعدين قالت:

— ياسين.

— أيوه؟

— أنا محتاجة أقولك حاجة.

— قولي.

— أنا بحبك.

اختفت ابتسامته.

— ملك…

— اسمعني.

سكت.

— أنا عارفة إن كل اللي حصل بينا بدأ غلط. وعارفة إنك أخطأت لما خطفتني. ومش هنسى ده.

ياسين نزل عينه.

— وأنا مش عايزك تنسيه.

— بس…

سكتت لحظة.

— بعد ما رجعت، اكتشفت إن مشاعري ناحيتك لسه موجودة.

بص لها.

— وفضلت أسأل نفسي إذا كنت بحبك فعلًا ولا لأ.

— ووصلتي لإيه؟

ابتسمت.

— إني لما بقيت حرة… ولسه اخترتك، عرفت إن ده حب.

ياسين ما عرفش يرد.

قالت:

— بس لو هنبدأ حاجة، لازم تبدأ صح.

— يعني؟

— مفيش أسرار. مفيش تحكم. مفيش خوف.

هز راسه.

— موافق.

— وكمان…

— إيه؟

— هتعتذر لماما.

ضحك.

— حاضر.

ضحكت هي كمان.


مرت الشهور.

ياسين بدأ يشتغل في مكان جديد، بعيد عن المشاكل القديمة.

وملك بدأت تحقق حلمها.

استأجرت مكان صغير.

دهنت الحيطان، وحطت رفوف الكتب، وعملت ركن للقهوة.

وكان ياسين أول شخص ساعدها في نقل الكراتين.

قال وهو شايل صندوق كتب:

— إنتِ عندك كتب أكتر من أصحابك.

— الكتب عمرها ما بتخانقني.

— وأنا بخانقك؟

— كتير.

ضحك.

— ومع ذلك بتحبيني.

ابتسمت.

— للأسف.

— للأسف؟

— آه.

قربت منه الكتاب اللي في إيدها وقالت:

— حطه هناك بدل ما تفضل واقف.

— حاضر يا مدام.

وبينما كان بيرتب الكتب، بص لها.

كانت واقفة وسط المكان الصغير اللي حلمت بيه.

ضحكتها مالية المكان.

فهم وقتها إن الحب الحقيقي مش كان في الأيام اللي قضوها بعيد عن الناس.

الحب الحقيقي بدأ يوم ملك قدرت تمشي…

واختارت ترجع له بنفسها.

وفي آخر اليوم، قعدوا قدام المكتبة الصغيرة.

ملك كانت ماسكة كوب القهوة.

قالت:

— فاكر أول مرة سألتك إذا كنت حبيت قبل كده؟

— فاكر.

— كنت كداب.

— ليه؟

— قولت إنك حبيت مرة.

ابتسم.

— يمكن كنت غلطان.

— وإيه الحقيقة؟

بص لها وقال:

— الحقيقة إني أول مرة عرفت يعني إيه أحب لما بقيت عايز أشوفك مبسوطة… حتى لو سعادتك كانت من غيري.

ملك سكتت.

ثم ابتسمت.

ومسكت إيده.

— وأنا أول مرة عرفت يعني إيه أحب لما اخترتك وأنا حرة.

فضلوا ساكتين.

والشارع حواليهم كان بيهدى واحدة واحدة.

لكن جواهم كان فيه بداية جديدة.

بداية مفيهاش خوف.

ولا إجبار.

ولا أبواب مقفولة.

بس قلبين اختاروا بعض…

بإرادتهم.

تمت.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
rehab mohamed تقييم 5 من 5.
المقالات

12

متابعهم

8

متابعهم

13

مقالات مشابة
-