عاش فقيراً ليموت غنياً السر الخفي وراء حياه البخلاء ؟
عاش فقيرا ليموت غنيا السر الخفي وراء حياه البخلاء ؟
في يوم من الأيام، كان هناك فلاح بسيط يُدعى "بخيت"، يعمل مع والده وإخوته في أراضيهم الزراعية. ورغم مظهره العادي، كان بخيت مبتلى بمرضٍ يفتك بصاحبه وكل من يتعامل معه، ألا وهو مرض البخل الشديد. بدأ هذا المرض يسيطر عليه منذ نعومة أظافره، وظل يتفاقم داخله شيئاً فشيئاً حتى بلغ الثانية والأربعين من عمره، ليصبح تجسيداً حياً للبخل في أبهى صور القسوة والحرمان.
منع بخيت نفسه من أبسط حقوق الحياة؛ فامتنع عن الزواج رغم أنه الأخ الأكبر، بينما تزوج جميع إخوته الأصغر منه، كل ذلك خشية التكاليف والمصاريف. وكان إذا اشتهت نفسه طيبات المأكل أو الملبس، أخرج القرش من كيسه ونظر إليه نظرة العاشق المدنف لحبيبه، ثم يرده إلى الكيس قائلاً لنفسه: "لو أُضيف إليه تسعة وتسعون مثله لصار جنيهاً، والجنيه يجلب الثروة. إن إنفاق قرش واحد اليوم يفتح عليّ باب الفقر والدين الدائم، وتلبية الشهوات كرمي الوقود في النار"، فكان يرى في كل إنفاق حماقة تودي به إلى العدم.
عندما يستطيع بخيت تجميع جنيه بهذه الطريقة الشاقة، يلقيه في صندوق خشبي صُنعت له ثقبة في غطائه ودون أن يجعل له مفتاحاً؛ حتى لا تتجرأ يده على فتحه أو ابتذال خزائنه. كان يخشى أن تلامس أنامله ذلك الذهب فتتحرك رغبته في الأخذ منه، وتلك بالنسبة له هي الطامة الكبرى. وبمجرد سقوط الجنيه في الصندوق، تكون تلك السقطة هي آخر عهده بالهواء والنور، وآخر عهده بالبيوع والتداول بين الكفوف.
لم تكن تلك الصفات سوى جزء بسيط من قسوته، فقد تجلت أشرس صور بخله عندما مرض والده؛ حيث رفض تماماً أخذه إلى الطبيب توفيراً للمال حتى فارق والده الحياة. وعند الموت، رفض إقامة عزاء أو مأتم خوفاً من تكاليف الإنارة والإطعام! ولم يتوقف عند هذا الحد، بل طمع في الميراث كاملاً معللاً لإخوته بأنه هو من بنى هذه الأملاك مع أبيه، ورفض تقاسم التركة ولم يعطهم إلا القليل الزهيد، مما أدى إلى قطيعة تامة بينه وبين إخوته.
عاش بخيت وحيداً يكنز المال قرشاً بعد قرش، ومرت الأيام والسنوات حتى بلغ السابعة والستين من عمره. وفي أحد الأيام اشتد عليه المرض، فلم يجد أحداً بجانبه يُعيله أو يناوله شربة ماء. زحف على الأرض بصعوبة بائسة حتى وصل إلى الحفرة التي يدفن فيها صندوق أمواله، وأخرجه لينظر إليه نظرة الوداع الأخيرة، ثم فاضت روحه.
عاش بخيت عمره كله يجمع المال خوفاً من الفقر، فكانت النتيجة الحتمية أنه عاش فقيراً ومات غنياً. ولم يشعر بموته أحد من أهل القرية إلا بعد مرور أسبوع كامل، عندما فاحت رائحة كريهة من بيته المهجور، ليكون ذلك الإعلان الوحيد عن نهاية رجل ضيع عمره في حراسة كومة من الذهب.
تلك هي القصة البائسة لرجل أضاع عمره كله وهو يجمع المال لغيره؛ فالأثر الذي نتركه واللحظات التي نعيشها هي الثروة الحقيقية. البخل مرضٌ مهلك يسرق من الإنسان شبابه وهناءة عيشه، ومهما طالت بك الحياة فأنت ميت وراحل عنها، والمال الذي حرمت نفسك منه ستتركه لغيرك لكي يتمتع به، فاستمتع بحياتك وبما رزقك الله ولا تكن خازناً للمال على حساب سعادتك.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق