قصة يونس الجزء الثالث:الحقيقة العارية

العاصفة الهوجاء وملاذ الجبل
لم تكن ليلة البارحة سوى بداية العاصفة الهوجاء التي أوشكت أن تجرف الأخضر واليابس في "تل الرماد". وتحت أزيز الرصاص المتطاير وصوت المطر الهائل الذي يضرب الأرض بقسوة، لجأ يونس ومريم إلى بيت قديم مهجور يقع عند أطراف جبل الرماد، يتوارى خلف الصخور البركانية الضخمة ليكون ملاذاً مؤقتاً لهما من أعيان البلدة ورجالهم المأجورين. كان المكان المظلم تفوح منه رائحة الرطوبة والغبار العتيق، لكنه كان يوفر تغطية مثالية عن أعين المتربصين الذين بدأوا يمشطون الطرقات الرئيسية بسياراتهم وأسلحتهم. كانت مريم ترتجف ليس فقط من البرد والبلل، بل من حجم الخطر الذي أحاط بهما فجأة، بينما كان يونس يمسك بالفانوس الزيتي القديم وهو يحاول تأمين مداخل البيت المتهالك بكتل خشبية ليضمن بضع ساعات من الأمان قبل حلول الفجر.

صابر: الشاهد والذاكرة المفقودة
كان البيت يملكه صياد متقاعد يُدعى "صابر"، وهو الصديق الأقرب ليونس في أيام شبابه، والذي اعتزل الناس هو الآخر بعد تلك الأحداث المأساوية التي هزت البلدة قديماً. في هذا المكان المعزول عن العيون، جلس الثلاثة تحت ضوء سراج زيت خافت تتراقص ظلاله على الجدران العارية، يقلبون ما تبقى من صفحات المذكرات والخرائط المرفقة بها. كان صابر ينظر إلى مريم بأسى شديد، وكأنه يرى في وجهها الشاب بقايا صديق عمره "عمر" الذي تركه يواجه مصيره المظلم قديماً دون أن يمد له يد العون أو ينقذه من المأزق. تنفس صابر ببطء شديد، ويمتدت يده المرتجفة ليمسح عبرها وجهه المحفور بالندم، متذكراً الليلة التي انقلبت فيها حياة الجميع رأساً على عقب وسُحبت فيها البساط من تحت أقدام الأبرياء.

اعترافات صابر وحقيقة الهروب
بدأ صابر يسترجع شريط الذكريات الأليمة بصوت بحاح يقطره الندم والحزن العميق: "عمر لم يكن خائناً يا يونس، ولكنه لم يكن يسعى للبطولة المتهورة أيضاً.. كان يحاول إنقاذكم جميعاً من البطش." اعترف صابر بلسان يرتجف بأنه في الليلة الأخيرة قبل عشرين عاماً، كان مكلفاً بنقل عمر عبر المرفأ القديم ليرسله بعيداً عن أيدي رجال عمران، بعد أن هدد الأخير بدمار بيت يونس وقتله إن لم يسلم عمر جميع الأوراق التي يدينهم بها. كان المخطط يقضي بتهريبه ليلاً على متن قارب صيد صغير نحو الشاطئ المقابل، لكن خيانة غير متوقعة حدثت في اللحظات الأخيرة قبل إبحار القارب، مما أدى إلى كشف الخطة وتصفية الحراسة واختطاف عمر قبل أن يختفي أثره نهائياً وتُتلقى النشرة الأمنية الكاذبة.

خيانة الأقارب وصعقة سليم
لكن المفاجأة التي هزت أركان يونس وجعلت فرائصه ترتعد من الهول كانت حين كشف صابر أن الشخص الذي بلغ عمران بمخطط الهرب وأفشى سر الوثائق الخبيئة لم يكن سوى خالهما "سليم"، الرجل الذي طالما وثق به يونس واعتبره السند الأكبر والأخ الروحي بعد رحيل والديهما! سقطت الكلمات كالصخرة الثقيلة على رأس يونس، وتجمّدت نظراته في الفراغ؛ فالخال سليم الذي كان يوافيه بالرعاية المادية المعنوية، ويتردد عليه في دكانه كل أسبوع ليواسيه في مصيبته، كان هو الخائن الفعلي الذي باع شقيقه مقابل دراهم معدودة ومسح ديونه المتراكمة لدى الحاج عمران! تملكت الدهشة والتشمئزاز قلب مريم التي لم تصدق أن أقرب الناس إليهما كان الأداة التي ذبحت أسرتها وسلبتها حقها في الحياة.

رسالة الوداع وحقيقة الموت
اتضح أن سليم كان مديوناً لمؤسسات عمران المالية بمبالغ طائلة، وكان ثمن نجاته من الإفلاس والسجن هو تسليم أخيه للظلام وإفشاء تحركاته. لم تتوقف الصدمة عند هذا الحد، بل كشفت مريم عن رسالة أخيره وجدتها مطوية ببراعة في بطانة الحقيبة الجلدية؛ رسالة كتبها عمر وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة في مششفى المدينة النائية قبل سنوات، تؤكد أن الجثة التي أُخرجت من البحر قديماً وادعى الجميع أنها جثته لم تكن سوى خدعة مدبرة لإغلاق الملف رسمياً، بينما قضى عمر سنوات طويلة محتجزاً في إحدى المزارع النائية بعيداً عن أهله يعاني الهوان والعذاب قبل تمكنه من الفرار في أيامه الأخيرة ليكتب هذه المذكرات ويورثها لابنته.

جمر الغضب وترميم الزمن
وقف يونس في منتصف الغرفة الصغيرة، ونظراته تصارع الفراغ بينما تنهمر دموعه الحارقة على وجنتيه. الخيانة لم تأتِ من الغرباء أو الأعداء المعلنين فقط، بل كانت تنبض من قلب عائلته ومن أقرب الناس إليه. امتلأت عيناه بشرار غضب حارق لم يعهده في نفسه طوال حياته، وامتدت يده لتمسك بدفتر المذكرات بقوة وعنفوان. نظر إلى مريم وصابر وقال بصوت صارم هز جدران البيت القديم: "كنت أظن طوال حياتي أنني أصلح الساعات لأعيد الزمن المفقود، ولكنني اليوم أدركت أن بعض أجزاء الزمن الفاسد يجب أن تُسحق بالكامل! لن يمر هذا الليل حتى يرتعد كل خائن شارك في هذه الجريمة، وسندك حصونهم بالعدل الذي ظنوا أنهم دفنوه إلى الأبد."
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق