قصة يونس الجزء الثانى :أقنعة الحجر

قرار الخروج وبداية المواجهة
مع إشراقة صباح خافت يكسوه الضباب والبرودة الشديدة، حزم يونس أوراقه الثمينة، وأغلق دكانه القديم بالقفيل الحديدي لأول مرة منذ سنوات طويلة لم يخرج فيها إلى العلن. خطى خطواته الأولى في شوارع "تل الرماد" الحجرية برفقة مريم، معلناً أمام الجميع أن صانع الساعات العجوز قد خرج أخيراً من سجن عزلت الاختيارية ليقيس المسافة الفاصلة بينه وبين الحق والعدالة. كانت نظرته حادة وقاطعة تحمل إصراراً لم يعهده فيه أحد من قبل، وكأنه انبعث من جديد من تحت ركام السنين ليواجه الشياطين التي سكنت مدينته واستبدت بأهلها. كانت مريم تسير إلى جواره وهي تحتضن الحقيبة الجلدية بقوة، تشعر بدفء وجود عمها الذي تحول في لحظة واحدة من رجل انكسر فؤاده إلى درع حصين يفيض بالثبات والصلابة.

عرش الحاج عمران ورداء الإحسان
كان الهدف الأول على قائمة يونس هو "الحاج عمران"، ذلك الرجل السبعيني الذي يمتلك معظم توكيلات الصيد والمرفأ، والذي يحرص دائماً على الالتفاف برداء الدين والتظاهر بالإحسان وبناء المدارس والمستشفيات أمام الكافة. غير أن المذكرات التي تركها عمر كانت تؤكد بأدلة قاطعة أنه العقل المدبر وراء تهجير العائلات الفقيرة، والاستيلاء على أراضيها البحرية لمصلحة مشاريع استثمارية مشبوهة بالتعاون مع عصابات دولية. كان قصر عمران يربض كالحصن المنيع على تلة مرتفعة تطل على البحر الغاضب، محاطاً بأسوار عالية وحراس أشداء لا يعرفون الرحمة، مما جعل القصر يتراءى لأهالي البلدة كأنه عرش من حجر لا يجرؤ أحد على اقتراب ساحته أو رفع الصوت أمام بواباته.

عيون السوق وعودة الشبح
مشى يونس بثبات مرفوع الرأس برفقة مريم عبر السوق المكتظ بالناس والمزارعين والصيادين الذين توقفوا عن أعمالهم مندهشين. كانت العيون تلاحقهما بشرر واستغراب؛ فالجميع يعلم أن ابن عمر لم يكن له وجود في سجلات البلدة الرسمية، وأن ظهور هذه الفتاة الشابة المبتلة برفقة صانع الساعات المعزول يحمل معه نذر شؤوم وفضائح متوقعة قد تعصف بالجميع. كانت الهمسات المكتومة تتصاعد كالدخان بين الباعة: "لقد عاد الشبح ليطالب بدمه الحرام!" لكن يونس واصل سيره بثبات واثق دون أن يلتفت للوراء أو يعطي بالاً للتهامس، مدركاً أن الخوف هو السلاح الوحيد الذي استخدمه عمران ورجاله لإبناء الناس تحت السيطرة والاستعباد طوال تلك العقود المظلمة.

الديوان المهيب وساعة الجيب
عندما دخلا ديوان الحاج عمران المهيب، استقبلهما الرجل بابتسامة دافئة مسمومة لا تعكس قسوة عينيه الثاقبتين التي تشعان غدراً. جلس يونس بثبات على المقعد الخشبي المريح دون أن يبدي أي نوع من الرهبة، وأخرج من جيبه قطعة خبيئة من الصندوق المعدني—ساعة جيب ذهبية عتيقة كان عمران قد أهداها لشقيقه عمر قبل يوم واحد فقط من اختفائه المريب في عرض البحر. وضع يونس الساعة بكل هدوء على الطاولة الرخامية الثمينة، وقال بنبرة حادة هزت أرجاء القاعة: "كل دقيقة مرت منذ اختفاء عمر كانت تُسجل في هذه الساعة يا حاج عمران، واليوم جئت إليك لأن الوقت قد حان لحساب الثواني والدقائق التي سرقتها من حياتنا."

تحذير عمران وانفجار الصمت
تغيرت ملامح عمران في لحظة خاطفة، واختفت الابتسامة الماكرة ليحل محلها صمت ثقيل كسرته أنفاس الحراس المسلحين الحاضرين في أركان القاعة. قال عمران بنبرة تحذيرية حاسمة تتخللها القسوة والتهديد الصريح: "يا يونس، القديم إذا نبشته خرجت منه الروائح الكريهة التي لن تستطيع تحملها أنت ولا هذه الفتاة الغريبة.. اترك الميت ينام في قبره بسلام، وأمّن على نفسك وما تبقى من عمرك، فلن تنفعك الذكريات أو البطولات الزائفة إذا خبت نار بيتك وحلت بك المصائب التي لا قِبَل لك بها." لكن مريم لم تصمت أو تتراجع، بل خطت خطوة للأمام وواجهته برباطة جأش نادرة، مخرجةً أوراقاً قديمة تحمل توقيعه الشخصي وتاريخاً يعود لليلة ذاتها التي اختفى فيها والدها.

خيوط المطاردة وسقوط الأقنعة
خرج يونس ومريم من القصر بخطوات منتظمة وسط نظرات التهديد والوعيد المتصاعدة من رجال عمران وحراسه المأجورين. وفي طريق عودتهما عبر الأزقة الضيقة والمنعطفات المظلمة، لاحظ يونس بذكائه الحاد وجود ظلال مريبة تتتبعهما بدقة، وتحركات غير طبيعية خلف المباني الحجرية المتهدمة. تحولت البلدة الهادئة في أذهانهما إلى متاهة ملغومة بالخطر المحدق، وأدرك يونس أن الأقنعة الجصية المبتسمة قد سقطت تماماً عن وجوه أعدائه، وأن القتلة أطلقوا كلابهم في الشوارع لإنهاء هذه المعركة بالدم قبل أن تخرج الوثائق إلى العلن، مما يعني أن الليلة القادمة ستكون ليلة مطاردة شرسة لا مكان فيها للضعفاء أو المترددين.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق