في هذا المقال
الضيفة الأخيرة

كانت "مريم" في الثانية والعشرين من عمرها، عندما قررت أن تبدأ حياة جديدة بعيداً عن ضجيج المدينة وضغوطها المتزايدة. وجدت بيتاً قديماً معروضاً للإيجار بسعر زهد في حيّ هادئ وشبه مهجور، بدا من الخارج عادياً ورائعاً، لكن داخله كان يحمل شيئاً مختلفاً يبعث على القشعريرة... رائحة الغبار القديم المزجوج برطوبة غريبة، وصوت خطوات خفيفة لا يسمعها أحد غيرها.
في البداية، ظنت مريم أن الأمر مجرد خيال أو تعب من الانتقال، لكن كل ليلة كانت تشعر بوجود شخص ما في الغرفة المجاورة، كأن أحداً يراقبها بنظرات لا ترمش. كانت تسمع همسات خافتة تدعو باسمها، وأحياناً طرقات خفيفة متقطعة على الباب، رغم أنها تعيش وحدها تماماً. حاولت تجاهل الأمر وإقناع نفسها بالمنطق، حتى جاء اليوم الذي وجدت فيه صورة قديمة لفتاة شابة معلقة على جدار الغرفة الرئيسي، تعود ملامحها وثيابها إلى خمسينيات القرن الماضي، وأسفلها تاريخ وفاتها الذي كُتب بخط يدوياً داكن.
اتصلت مريم بصاحب البيت ليخبرها بصوت مرتعش أن جميع من سكنوا هذا المنزل قد رحلوا بعد حادث غامض، وأن الفتاة في الصورة كانت آخر قاطنة أصلية له... وأنها اختفت في ظروف مريبة منذ سنوات طويلة، ولم يُعثر على جثتها أبداً. شعرت مريم برعشة قوية تسري في جسدها، لكن الأغرب والأكثر رعباً من ذلك أن الصورة كانت تتغير كل ليلة؛ كأن الفتاة تقترب أكثر من إطار الزجاج، وعيناها أصبحت تلتفتان وتنظران إليها مباشرة أينما تحركت.
في الليلة الأخيرة، هبت عاصفة قوية وانقطعت الكهرباء فجأة، وسمعت مريم صوتاً واضحاً خلف باب غرفتها، هذه المرة طرقات متواصلة وعنيفة. تجمدت في مكانها تحت الغطاء، ولم تستطع الصراخ من شدة الرعب. ثم انفتح الباب ببطء شديد أصدر صفيراً مرعباً... ودخلت الفتاة ذاتها بملابسها القديمة المبتلة وشعرها الطويل المغطى بالطين. لم تكن تبتسم، بل تقدمت ونظرت إليها بعينين فارغتين مظلمتين، وهمست بصوت مبحوح: "أخيراً... وجدتك، وحان دورك لتأخذي مكاني".
في الصباح التالي، قلق جيران الحي واقتحموا المنزل، وعثروا على مريم مستلقية في غرفتها، وجهها شاحب ومذعور كأنها رأت الموت، والباب مفتوحاً على مصراعيه. لم يعرف أحد كيف دخلت الفتاة الغامضة، ولا لماذا لم تستطع مريم الخروج، بل إن الصورة المعلقة على الجدار تغيرت ملامح الفتاة فيها لتصبح تشبه مريم تماماً. ومنذ ذلك اليوم، أُغلق البيت للأبد ولم يعد أحد يجرؤ على الاقتراب منه.
أظهرت التحقيقات اللاحقة في سجلات المدينة القديمة سرّاً أصاب الجميع بالذهول؛ فالبيت بُني على أرض شهدت طقوساً قديمة، والساكنة الأولى لم تكن سوى أول قربان تُحبس روحها داخل الإطار لتستدرج ضحية جديدة كل خمسين عاماً. وما حدث لمريم لم يكن مجرد حادثة اختفاء، بل كانت الحلقة الجديدة في سلسلة لا تنتهي،
تابع جديد JOO AHMED
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق