في هذا المقال
قبل أن نعرف الحقيقة – الجزء السادس: الرجل الذي عاد من الموت
مواجهة في الظلام
وقفت ليلى في مكانها، عاجزة عن تصديق ما تراه عيناها.
الرجل الذي أمامها هو نفسه الذي احتفظت بذكرياته في طفولتها، الرجل الذي بكت عليه لسنوات، والذي أخبروها أنه مات في حادث سيارة غامض.
همست بصوت مرتجف:
— بابا... إنت عايش بجد؟
اقترب منها الرجل ببطء، وكانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
— أيوه يا بنتي، أنا عايش.
لم تستطع ليلى منع نفسها من البكاء. اندفعت نحوه واحتضنته بقوة، وكأنها تخشى أن يختفي مرة أخرى إذا تركته.
لكن فرحتها لم تدم طويلًا.
ابتعدت عنه فجأة، ونظرت إلى وجهه بعتاب شديد.
— إنت كنت فين كل السنين دي؟ ليه سبتني أعيش وأنا فاكرة إنك مت؟
خفض والدها رأسه، ثم قال:
— لو كنت رجعت، كانوا هيقتلوكي إنتِ ومريم.
نظرت ليلى إليه بصدمة.
— مين هما؟ سليم؟ وآدم؟ وإيه حكاية ماما؟ أنا سمعت صوتها يا بابا! هي عايشة؟
قبل أن يجيبها، تقدم آدم خطوة وقال بقلق:
— لازم نخرج من هنا. الناس اللي بره مش هيفضلوا مستنيين كتير.
التفت والد ليلى إليه، وتحولت ملامحه من الحزن إلى الغضب.
— إنت آخر واحد يتكلم عن حمايتها!
رد آدم بهدوء:
— أنا عارف إنك مش واثق فيا، لكن دلوقتي مش وقت الحساب.
ضحك والدها بسخرية.
— الحساب بدأ من الليلة اللي سلّمت فيها بنتي التانية لسليم بيه!
تراجعت ليلى خطوة، ونظرت إلى آدم.
— هو إنت فعلًا سلّمت مريم ليهم؟
لم يجب آدم، لكن صمته كان كافيًا ليعيد الشك إلى قلبها.
الحقيقة التي أخفاها الأب
أمسك والد ليلى بيدها، وقادها إلى باب حديدي صغير في نهاية الممر. أخرج مفتاحًا قديمًا من جيبه، وفتح الباب بحذر.
خلفه ظهرت غرفة ضيقة مليئة بالملفات والصور والجرائد القديمة.
على أحد الجدران، كانت هناك صور لوالد ليلى ووالدتها وسليم بيه، تعود إلى سنوات بعيدة.
اقتربت ليلى من إحدى الصور.
كانت والدتها تقف بجوار سليم، وتبدو أصغر سنًا بكثير. وعلى ظهر الصورة كُتبت جملة بخط يد والدها:
«الحقيقة بدأت يوم اختفت ابنتنا الأولى».
رفعت ليلى عينيها إليه.
— ابنتنا الأولى؟ تقصد مريم؟
أومأ والدها ببطء.
— مريم مش أول طفلة اختفت من عيلتنا يا ليلى.
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها.
— يعني إيه؟
فتح والدها أحد الملفات، وأخرج شهادة ميلاد قديمة تحمل اسم طفلة لم تسمع عنها من قبل.
كان الاسم: نور.
وتحت الاسم، كُتب اسم الأم: والدتها نفسها.
جلست ليلى على الكرسي القريب، تحاول استيعاب ما تراه.
— ماما كان عندها بنت تانية غيرنا؟
قال والدها:
— نور كانت أختك الكبيرة. اختفت وهي عندها أربع سنين، وبعدها بدأت الكوابيس الحقيقية.
نظرت ليلى إلى الصور مرة أخرى، ولاحظت أن سليم بيه كان موجودًا في معظمها.
— وسليم كان له علاقة باختفائها؟
أغلق والدها الملف بسرعة.
— سليم كان أقرب شخص لينا زمان، وده كان أكبر خطأ ارتكبناه في حياتنا.
سر الغرفة رقم 17
بينما كانت ليلى تتفحص الأوراق، لاحظت وجود مفتاح صغير مربوط بشريط أسود داخل أحد الملفات.
أمسكته، فانتزعه والدها من يدها بسرعة.
— المفتاح ده ممنوع يخرج من الغرفة دي.
سألته بقلق:
— بيفتح إيه؟
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
— الباب اللي ورا المراية في البيت القديم.
تذكرت ليلى كلمات والدتها في التسجيل الصوتي، وشعرت أن كل الخيوط بدأت تتجمع حول ذلك الباب.
— وماذا يوجد خلفه؟
تردد والدها للحظة، ثم أجاب:
— الدليل الوحيد اللي يقدر يثبت إن سليم هو المسؤول عن كل اللي حصل.
وقبل أن تسأله عن المزيد، سمعوا صوت ارتطام قوي بالباب الحديدي.
صرخ أحد الرجال من الخارج:
— افتحوا الباب! مفيش مخرج من المكان ده!
أطفأ آدم المصباح، وبدأ يبحث عن طريق آخر للخروج.
أما والد ليلى، فاقترب منها ووضع المفتاح في يدها سرًا.
همس لها:
— لو افترقنا، روحي البيت القديم. لكن مهما حصل، ما تفتحيش الباب لوحدك.
نظرت إليه ليلى بقلق.
— وإنت؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
— أنا هحاول أرجعلك أختك.
رسالة لم يكن يجب أن تصل
تمكن آدم من فتح ممر جانبي يقود إلى درج قديم خلف المبنى. خرجت ليلى ووالدها من الباب أولًا، ثم تبعهما آدم.
لكن قبل أن يصلوا إلى الشارع، دوّى صوت طلقة نارية في الهواء.
توقفت ليلى في مكانها.
رأت والدها يسقط على ركبته، واضعًا يده على كتفه، بينما كان الدم يتسرب بين أصابعه.
صرخت:
— بابااا!
ركضت نحوه، وجثت على الأرض بجواره.
— أرجوك، ما تسبنيش تاني!
أمسك يدها بصعوبة، وقال بصوت متقطع:
— المفتاح... لازم توصلي للحقيقة.
ثم أغلق عينيه.
صرخت ليلى باسمه، بينما حاول آدم الضغط على الجرح لإيقاف النزيف.
وفي تلك اللحظة، اهتز هاتف ليلى برسالة جديدة.
فتحتها بيد مرتجفة.
كانت صورة لمريم، وخلفها جدار أبيض كُتبت عليه جملة باللون الأحمر:
«أبوك دفع الثمن. دلوقتي دورك يا ليلى».
أسفل الصورة ظهرت رسالة قصيرة من رقم مجهول:
«تعالي للبيت القديم قبل منتصف الليل، ولو جبتي آدم معاكي، أختك هتموت».
رفعت ليلى عينيها إلى آدم.
كان ينظر إلى الهاتف بوجه شاحب، وكأنه يعرف بالضبط من أرسل الرسالة.
سألته ليلى بصوت بارد:
— إنت تعرف مين اللي عمل كده، صح؟
لم يُجب.
اقتربت منه، ووضعت المفتاح في جيبها.
— المرة دي مش هسمحلك تخبي عني أي حاجة. هروح البيت القديم، وهعرف الحقيقة بنفسي.
حاول آدم منعها، لكنها ابتعدت عنه.
للمرة الأولى، لم تكن ليلى خائفة من الحقيقة.
كانت خائفة فقط من أن تكون قد أحبت الشخص الخطأ.
نهاية الجزء السادس
في ليلة واحدة، عرفت ليلى أن لها أختًا أكبر اختفت منذ طفولتها، وأن والدها ربما يكون في خطر، وأن مفتاحًا صغيرًا قد يكشف سر العائلة بالكامل.
لكن السؤال الذي لم تستطع تجاهله كان واحدًا:
لماذا يخاف آدم من البيت القديم أكثر من خوفه على مريم؟
وهل ستجد ليلى أختها خلف الباب الذي حذرتها أمها من فتحه؟
يتبع في الجزء السابع...
تابع جديد Dina Ahmed
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق