عروس عالم الظلال الجزء الرابع

عروس عالم الظلال الجزء الرابع

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

 

image about عروس عالم الظلال الجزء الرابع

 

عروس عالم الظلال

الجزء الرابع: الطريق إلى عالم الظلال

 

 

لم تستطع جوليا النوم بعد تلك الليلة.

كانت صورة الرجل الذي ظهر في المرآة لا تفارق ذهنها.

فرانسيس.

الاسم الذي ظهر في الرسائل، والصوت الذي أصبح يلاحقها، والشخص الذي شعرت بوجوده منذ الأيام الأولى التي انتقلت فيها إلى الغرفة.

لكن السؤال الذي أخافها أكثر من كل شيء كان:

لماذا أنا؟

جلست أمام المرآة تحدق في وجهها.

كانت شاحبة ومتعبة، والدوار يرافقها منذ عدة أيام.

وضعت يدها على بطنها دون أن تعرف لماذا.

وفجأة شعرت بألم حاد.

شهقت وسقط الكتاب من يدها.

استمر الألم لثوانٍ قليلة، ثم اختفى.

نظرت إلى نفسها في المرآة.

لم يكن هناك شيء غريب.

لكنها قررت في صباح اليوم التالي أن تذهب إلى الطبيب.

في المستشفى، جلست جوليا وحدها داخل غرفة الفحص.

كان الطبيب ينظر إلى نتائج التحاليل بصمت.

ثم رفع عينيه إليها.

“جوليا... هناك شيء يجب أن أخبرك به.”

ابتلعت ريقها.

“ماذا؟”

قال بهدوء:

“أنتِ حامل.”

شعرت وكأن العالم توقف.

“ماذا؟”

“التحاليل واضحة.”

حدقت فيه غير مصدقة.

“هذا مستحيل.”

“لماذا؟”

لم تعرف ماذا تقول.

خفضت رأسها، ثم قالت بصوت مرتجف:

“لأنني... لم يحدث شيء.”

نظر الطبيب إليها باستغراب، لكنه لم يضغط عليها.

“هل أنتِ متأكدة؟”

أومأت وهي تبكي.

“متأكدة.”

لم يسألها الطبيب عن مدة الحمل، ولم تكن جوليا تفكر في ذلك أصلًا.

كل ما كان يدور في رأسها سؤال واحد:

كيف؟

كيف يمكن أن تكون حاملًا وهي لم تكن مع أي رجل؟

عادت جوليا إلى منزل والديها ولم تخبرهم بأى شئ.

لم تستطع جوليا النوم تلك الليلة.

منذ أن أخبرها الطبيب بأنها حامل، والجملة تدور في رأسها بلا توقف.

أنتِ حامل.

لكن كيف؟

كانت تعرف جسدها جيدًا. لم يكن هناك رجل في حياتها. لم تسمح لأحد بالاقتراب منها، ولم يحدث شيء يمكن أن يفسر ما قاله الطبيب.

ومع ذلك... كان هناك شيء آخر يخيفها أكثر.

ذلك الاسم الذي ظهر في حياتها فجأة.

فرانسيس.

لم تعرف لماذا كانت تشعر أن هذا الاسم مرتبط بكل ما يحدث لها.

في منتصف الليل، كانت تجلس في غرفة نومها داخل بيت والديها، حين سمعت صوتًا خافتًا عند النافذة.

طق... طق... طق.

تجمدت في مكانها.

اقترب والدها من الباب بعدما سمع الصوت، وأشعل الضوء.

— “إيه الصوت ده؟”

لم تجبه جوليا.

كانت تحدق في النافذة.

لم يكن هناك أحد.

لكن الزجاج كان مغطى بطبقة رقيقة من البخار، رغم أن الغرفة دافئة.

وببطء…

ظهرت عليه كلمات كأن إصبعًا غير مرئي يكتبها من الجهة الأخرى.

لا يمكنكِ الاختباء هنا.

شهقت جوليا.

وفي اللحظة نفسها انطفأ الضوء.

صرخت أمها.

ثم جاء صوت من خلفهم.

هادئًا... عميقًا... ومخيفًا.

— “كنت أتمنى ألا أضطر إلى فعل هذا.”

استدارت جوليا.

كان واقفًا في منتصف الغرفة.

الرجل نفسه الذي رأته من قبل.

طويلًا، ساكنًا، بملامح بشرية تبدو طبيعية للوهلة الأولى، لكن عينيه كانتا مظلمتين بصورة جعلت النظر إليهما مؤلمًا.

فرانسيس.

تراجع والد جوليا فورًا ووضع نفسه أمام زوجته وابنته.

— “إنت مين؟ وإزاي دخلت هنا؟”

لم يتحرك فرانسيس.

قال فقط:

— “أنا الذي تبحثون عنه.”

صرخ الأب:

— “اخرج من بيتي!”

رفع فرانسيس عينيه إليه.

وفي اللحظة التالية، انطفأت جميع الأصوات.

لا سيارات في الخارج.

لا رياح.

لا حتى صوت أنفاسهم.

كأن البيت كله انفصل عن العالم.

ثم قال فرانسيس:

— “لو كنت أريد إيذاءكم... لما احتجت إلى الدخول من الباب.”

شعرت جوليا بقلبها يهبط داخل صدرها.

اقترب منها والدها أكثر.

— “جوليا، ادخلي ورا أمك.”

لكن فرانسيس نظر إليها مباشرة.

— “أنتِ تعرفين لماذا جئت.”

هزت جوليا رأسها بعنف.

— “أنا مش عارفاك!”

للمرة الأولى تغيرت ملامحه.

ليس غضبًا.

بل شيء يشبه الألم.

لكنّه اختفى سريعًا.

— “ستعرفين.”

وضعت جوليا يدها على بطنها دون وعي.

لاحظ فرانسيس الحركة.

تعلقت عيناه بيدها.

ثم قال:

— “والطفل أيضًا سيعرف.”

تجمد الجميع.

صرخ والدها:

— “أي طفل؟!”

لم تجب جوليا.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.

لكن فرانسيس هو من أجاب.

— “طفلها.”

ثم أضاف:

— “طفلي.”

ساد الصمت.

كانت أم جوليا تحدق فيه وكأنها لم تفهم الكلمات.

أما والدها فاندفع نحوه.

لكن قبل أن يصل إليه، توقف جسده فجأة.

لم يسقط.

لم يُمسك به أحد.

فقط... توقف.

وكأن قوة غير مرئية أمسكت به في مكانه.

صرخت جوليا:

— “بابا!”

تحركت نحوه، لكن فرانسيس قال:

— “لا تفعلي.”

— “سيبه!”

— “لن أصيبه.”

— “إنت بتعمل إيه؟!”

رفع فرانسيس يده قليلًا، فتحرر والدها وسقط على ركبتيه وهو يلهث.

ركضت جوليا إليه.

ثم رفعت رأسها نحو فرانسيس بعينين مليئتين بالخوف والكراهية.

— “إنت عايز إيه مني؟”

أجابها:

— “أريدكِ أن تأتي معي.”

ضحكت ضحكة قصيرة مرتجفة من شدة الخوف.

— “معاك؟! إنت مجنون؟”

— “ربما.”

ثم نظر إلى والدها وأمها.

— “لكن وجودكِ هنا أصبح خطرًا عليهم.”

اقتربت منه خطوة رغم خوفها.

— “إنت اللي هددتهم.”

— “لأنهم حاولوا قتلي.”

— “إحنا عمرنا ما شوفناك!”

— “هم لم يروني.”

صمت لحظة.

— “لكنهم رأوا ما كان معي.”

لم تفهم جوليا.

وقبل أن تسأله، صدر صوت من خارج المنزل.

صوت احتكاك شيء بالأرض.

ثم طرق عنيف على الباب.

دق... دق... دق.

التفت الجميع.

تكرر الطرق.

لكن هذه المرة كان الباب يهتز بعنف.

قال فرانسيس بصوت منخفض:

— “لقد وجدونا.”

تراجعت جوليا.

— “مين؟”

لم يجب.

انفتح الباب ببطء.

لم يكن هناك أحد في الخارج.

فقط ممر المنزل المظلم.

ثم ظهر شيء عند نهايته.

شيء طويل جدًا.

أطول من الإنسان.

كان يتحرك على أربع، لكن أطرافه كانت ملتوية بطريقة غير طبيعية.

لم تستطع جوليا أن تصرخ.

أما أمها فبدأت تقرأ القرآن بصوت مرتجف.

والدها أمسك بها.

تقدم الكائن خطوة.

ثم توقف.

رفع رأسه نحو جوليا.

وشعرت أنها كانت تعرفها.

ليس هي وحدها…

بل شيئًا داخلها.

قال فرانسيس:

— “لو بقيتِ هنا، فلن أستطيع حمايتكم.”

نظرت إليه جوليا.

لأول مرة لم ترَ فيه الخطر الوحيد.

كان هناك خطر آخر.

شيء جاء من مكان لا تعرفه.

شيء لم يكن ينبغي أن يكون موجودًا في عالم البشر أصلًا.

اقترب الكائن أكثر.

وتراجعت جوليا حتى اصطدمت بالحائط.

قال فرانسيس:

— “تعالي معي.”

هزت رأسها وهي تبكي.

— “مش هسيب أهلي.”

— “إذن سيأتون معي.”

— “مش هسيبهم!”

تقدم فرانسيس نحوها.

هذه المرة لم تحاول الهرب.

ليس لأنها وثقت به.

بل لأنها أدركت أنها لم تعد تملك مكانًا تهرب إليه.

مد يده.

نظرت جوليا إلى يده طويلًا.

ثم إلى والديها.

قالت بصوت مكسور:

— “لو جيت معاك... مش هتأذيهم؟”

— “لن يمسهم أحد.”

— “ولا إنت.”

صمت فرانسيس.

ثم قال:

— “ولا أنا.”

مسحت جوليا دموعها.

وقبل أن تمسك يده، ركضت نحو أمها واحتضنتها.

ثم احتضنت والدها.

— “أنا آسفة...”

كانت أمها تبكي.

— “ما تروحيش.”

لكن جوليا لم تعرف ماذا تقول.

لم تكن ذاهبة بإرادتها.

كانت ذاهبة لأنها خافت أن يكون بقاؤها سببًا في موتهم.

أمسكت يد فرانسيس أخيرًا.

كانت باردة بصورة غير طبيعية.

وفي اللحظة التي لامست فيها يده…

انطفأ العالم.

اختفى البيت.

اختفت الجدران.

اختفى صوت والدتها.

ولثانية واحدة، شعرت جوليا أنها تسقط في مكان لا نهاية له.

ثم فتحت عينيها.

كانت واقفة على أرض سوداء لامعة.

أمامها مدينة لم ترَ مثلها من قبل.

قصور شاهقة، أبراج ملتوية، بحيرات سوداء تعكس ضوءًا أحمر خافتًا في السماء.

كانت جميلة…

لكن جمالها كان مخيفًا.

مخلوقات غريبة تتحرك بين الطرق.

بعضها يشبه البشر.

وبعضها لم يكن بشريًا بأي شكل.

وحين ظهرت جوليا معهم، توقفت المدينة كلها تقريبًا.

بدأت الهمسات.

ثم ساد الصمت.

الجميع كان ينظر إليها.

إلى الإنسانة.

ثم إلى بطنها.

شعرت جوليا بالخوف يتضاعف.

اقترب أحدهم من فرانسيس وانحنى له.

— “سيدي...”

لم يرد فرانسيس.

واصل السير.

حتى وصل إلى قصر أسود ضخم، أبوابه أعلى من أي باب رأته في حياتها.

وعندما دخلا، كانت هناك امرأة تنتظرهما.

امرأة تبدو بشرية بشكل مخيف.

لكن عينيها كانتا مختلفتين.

نظرت إلى جوليا طويلًا.

ثم إلى فرانسيس.

وقالت بهدوء:

— “إذن... أحضرتها.”

رفعت جوليا عينيها نحو فرانسيس.

— “أحضرتني ليه؟”

لم يجب.

كانت المرأة لا تزال تنظر إليها.

ثم قالت:

— “لأنهم عرفوا.”

تجمدت جوليا.

— “عرفوا إيه؟”

اقتربت المرأة خطوة.

وضعت عينيها على بطن جوليا.

وقالت:

 “أنكِ تحملين شيئًا لم يولد منذ قرون.”

وفي مكان بعيد داخل القصر…

صدر صوت جرس دوي فى أرجاء المدينة .

ثم آخر.

ثم بدأت أبواب المدينة تُغلق.

عرفت جوليا حينها أن مجيئها إلى هذا العالم لم يكن نهاية ما يحدث.

بل…

كان البداية.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Mariam تقييم 5 من 5.
المقالات

14

متابعهم

14

متابعهم

14

مقالات مشابة
-