الكوخ المهجور في الصحراء

الكوخ المهجور في الصحراء

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الكوخ المهجور في الصحراء

الكوخ المهجور في الصحراء

image about الكوخ المهجور في الصحراء

كان هناك شابآ يسمي سالم كان  يعمل في إحدى شركات التنقيب عن المعادن، أُرسِل مع فريقه إلى عمق صحراء مصر، في مهمة تستغرق أيامًا للبحث عن مناجم جديدة.

وفي اليوم الثالث من المهمة، قرر الفريق الاستراحة بعد عمل طويل وشاق.

 جلس الجميع حول نار صغيرة، يتبادلون الأحاديث، حتى قال أحدهم بصوت خافت:

– “هل سمعتم عن الكوخ المهجور في هذه المنطقة؟”

تغيرت ملامح الرجال، وانخفضت أصواتهم. ساد الصمت للحظات، ثم انفجر أحدهم ضاحكًا:

– “لا تخبرني أن تلك الحكايات القديمة ما زالت تخيفك!”

لكن سالم كان قد التقط طرف الحديث، فسأل بفضول:

– “ما قصة هذا الكوخ؟

أجابه الرجل الأكبر سنًا بينهم، حسن، بصوت متهدج:

– “منذ سنوات طويلة، كان هناك رجل يُدعى منصور يعيش وحيدًا في كوخ بالصحراء. كان يقال إنه كان يتعامل مع الجن ويؤدي طقوسًا غريبة. 

فجأة، اختفى منصور ولم يُعثر له على أثر. ومنذ ذلك الحين، كل من مرّ بالقرب من الكوخ يشعر بأنه مراقب، أو يسمع أصواتًا قادمة من داخله، رغم أنه مهجور تمامًا.”

ابتسم سالم مستهزئًا:

– “مجرد خرافات! لن أصدق حتى أرى بعيني.”

هزّ حسن رأسه بتحذير:

– “احذر يا سالم، الفضول قد يكون قاتلًا!”

في الليلة نفسها، لم يستطع سالم النوم. تلك الحكاية شغلت تفكيره، واثار فضوله. 

نهض بهدوء، أخذ مصباحه اليدوي وخرج من خيمته. نظر حوله؛ كان الجميع نائمين، والصحراء غارقة في ظلام مخيف. قرر أن يستكشف المكان بنفسه.

بدأ يسير مبتعدًا عن المعسكر، تاركًا آثار خطواته على الرمال الباردة.

 لم يكن يعلم بالضبط إلى أين يتجه، لكنه شعر بأن شيئًا ما يقوده. 

كان القمر محجوبًا بالغيوم، والبرد يتسلل إلى عظامه. فجأة، ظهرت أمامه ملامح كوخ خشبي متهالك، يحيط به سكون مخيف.

تردد لوهلة، ثم تقدم ببطء حتى وقف أمام الباب. كان الباب نصف مخلوع، يتأرجح مع نسيم الليل، يصدر صوت صرير مرعب. 

أضاء سالم مصباحه وسلطه على الداخل، فلم يرَ سوى الغبار والأخشاب المتساقطة.

تنفس الصعداء، ثم قرر الدخول. كانت الأرضية تصدر صريرًا تحت قدميه، وبدأت رائحة العفن تخنق أنفاسه.

 تجول بعينيه، وفجأة لمح شيئًا غريبًا في زاوية الكوخ: طاولة قديمة عليها شموع محترقة ونقوش غريبة.

 اقترب منها، وبدأ يقرأ بعض الكلمات المكتوبة على الورق. كانت طلاسم لا يفهمها.

في تلك اللحظة، شعر بتيار هواء بارد يضرب مؤخرة عنقه، وسمع همسًا خافتًا. 

التفت بسرعة، لكنه لم يرَ شيئًا. تسارعت دقات قلبه، وبدأ عرق بارد يتصبب من جبينه. همّ بالخروج، لكن الباب أغلق بقوة خلفه!

ركض سالم إلى الباب وحاول فتحه، لكنه كان كالحجر.

 فجأة، سمع خطوات بطيئة تقترب منه. التفت خلفه، فرأى ظلًا طويلًا يتحرك في الظلام.

 ارتجفت يداه، وسقط المصباح من يده وانطفأ. أصبح الظلام دامسًا، والكوخ ضاق عليه كالقبر.

ثم سمع صوتًا خشنًا يقول:

– “لماذا أتيت إلى هنا؟”

لم يستطع سالم الإجابة، كان جسده متصلبًا من الرعب.

image about الكوخ المهجور في الصحراء

فجأة، أحس بيد باردة تلمس كتفه، فانطلق يصرخ بأعلى صوته.

 صرخاته ترددت في أرجاء الكوخ والصحراء من حوله. غاب عن الوعي من شدة الخوف.

عندما أفاق، كان الصباح قد حلّ، ووجد نفسه ملقىً على الرمال خارج الكوخ. وقف مترنحًا، ونظر حوله. 

الكوخ لم يكن موجودًا! وكأنه اختفى من الوجود. عاد إلى المعسكر متعبًا، وعيناه تائهتان.

عندما رأى حسن وجهه الشاحب، سأله بقلق:

– “ماذا حدث؟”

تمتم سالم بصوت ضعيف:

– “كان... كان حقيقيًا... الكوخ... والظل...”

هزّ حسن رأسه بأسى وقال:

– “لقد حذرتك، لكنك لم تستمع.”

منذ ذلك اليوم، لم يعد سالم كما كان. كان يهمس في نومه بكلمات غريبة، ويخشى الليل كأنه عدوه. 

بعد بضعة أشهر، اختفى سالم هو الآخر في الصحراء، تمامًا مثل منصور. البعض يقول إنهما التقيا في عالم آخر، حيث لا يفصل بين الواقع والكابوس سوى خيط رفيع من الظلام الأبدي.

بعد اختفاء سالم في الصحراء، ظلت الحكاية تُروى بين عمال التنقيب كتحذير مبطن من الفضول الزائد.

 لكن مع مرور السنوات، بدأت القصة تتلاشى كغيرها من الأساطير القديمة، ولم يتبقَ سوى ذكرى باهتة عن الشاب الذي اختفى في ظروف غامضة.

في إحدى الليالي الباردة، كان حسن، الرجل الذي حذر سالم سابقًا، جالسًا قرب النار يتأمل في خوف عمال التنقيب .

 كان يشعر بالذنب؛ إذ لم يستطع إيقاف سالم عن تلك الرحلة المشؤومة. فجأة، سمع صوت خطوات تقترب من المعسكر.

 رفع رأسه، فتجمد الدم في عروقه. كان سالم يقف على أطراف الضوء القادم من النار، بملابس ممزقة ووجه شاحب وعينين غائرتين كأنهما بوابتان إلى الفراغ.

حاول حسن أن يتكلم، لكن الكلمات لم تخرج.

قال سالم بصوت خافت وبنبرة لا تشبه صوته:

– “عدت... لكن ليس كما كنت.”

تقدم سالم ببطء نحو النار، وخطواته لا تُصدر أي صوت، وكأن الأرض لا تشعر بوجوده. 

image about الكوخ المهجور في الصحراء

عندما وصل إلى دائرة الضوء، تلاشى جسده فجأة كالدخان، وترك خلفه همسات مبهمة ترددت في الصحراء.

أفاق حسن من الصدمة، ووجد نفسه وحيدًا. لم يكن هناك أي أثر لسالم، فقط برد غريب يخيم على المكان. أمسك برأسه وهو يحاول أن يستوعب ما حدث. 

لكن داخله كان يعلم أن سالم لم يعد إنسانًا، بل أصبح جزءًا من الظلام الذي ابتلعه في تلك الليلة.

في الصباح التالي، وجد العمال حسن جالسًا في مكانه، عيناه تحدقان في الأفق الفارغ.

 كان يهذي بكلمات غير مفهومة. لم يعد يتحدث عن سالم أو الكوخ، لكن الجميع لاحظ أن ظله، في بعض الليالي، يبدو وكأنه يتحرك بشكل منفصل عنه، وكأن هناك من يراقبه من عالم آخر.

وهكذا، ظل الكوخ المهجور وصاحبه الجديد لغزًا أبديًا، يُحكى عنه فقط في الليالي المظلمة، حيث لا يفصل بين الحقيقة والرعب سوى خيط واهٍ من الضباب.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Abdallah Sanad تقييم 0 من 5.
المقالات

3

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-