النداء المجهول - الحلقة (2): صدى الأنفاس الباردة
النداء المجهول - الحلقة (2): صدى الأنفاس الباردة
لم أكن أشعر بجسدي، كان كل ما حولي فراغاً أسوداً لا ينتهي، وبرودة تنهش في عظامي كأنني دُفنت حياً في ثلاجة للموتى. حاولت أن أصرخ، لكن صوتي كان يغرق في حنجرتي وكأنه تحول إلى سائل لزج. استيقظت فجأة وأنا أنتفض، لأجد نفسي مستلقياً على أرضية غرفتي الخاصة! هل كان كل ما حدث في شقة جدي مجرد كابوس ثقيل؟ هل ألعاب عقلي المجهد هي من صنعت وجه جدي المشوه في انعكاس الشاشة؟
نهضت بصعوبة، جسدي يرتجف كأنني كنت في قلب عاصفة ثلجية. الغرفة كانت هادئة بشكل مريب، لكن شيئاً ما كان خاطئاً. الهواء كان يحمل رائحة بخور جنائزي قديم، ورائحة رطوبة لا تنتمي لبيتي. التفتُ حولي أبحث عن هاتفي، لكن مكانه على الطاولة كان فارغاً تماماً. تلمست عنقي بعفوية، لتتجمد الدماء في عروقي؛ شعرت بآثار أصابع غائرة، برودة مكانها لا تزال تطبع قسوتها على جلدي، وكأن يداً حقيقية كانت تعتصر أنفاسي منذ ثوانٍ.
توجهت نحو المرآة لأرى أثر تلك الأصابع، لكنني تسمرت مكاني. لم يكن هناك انعكاس لغرفتي في المرآة، بل كان هناك أثر بخار كثيف لأنفاس شخص ما يغطي الزجاج بالكامل، رغم أن الغرفة باردة. وببطء مرعب، بدأت كلمات تُكتب على ذلك البخار بفعل إصبع غير مرئي يحفرها أمام عيني: "لقد خرجتَ من الشقة بجسدك، لكن روحك لا تزال عالقة في القفص.. اللعبة بدأت للتو يا ياسين".

تراجعت للخلف حتى اصطدمت بمكتبي، وسقطت عيناي على الدرج الثالث. هذا الدرج مغلق منذ سنوات، فقدت مفتاحه ولا أذكر حتى ماذا وضعت فيه. فجأة، بدأ الدرج يهتز بعنف، اهتزازاً لم يكن طبيعياً، وكأن شيئاً حياً بالداخل، شيئاً يمتلك مخالب، يحاول تحطيم الخشب ليخرج. ومع كل خبطة، كان ينبعث من خلف الخشب صوت همس جماعي، أصوات متداخلة تعرف اسمي جيداً وتنديني بنبرة حزينة: "ياسين.. افتح لنا.. البرد يقتلنا بالداخل".

في تلك اللحظة، انبعث صوت رنين هاتف.. لكنه لم يكن رنيناً عادياً، بل كان صوتاً ميكانيكياً قديماً يأتي من تحت سريري. زحفت ببطء وأنا أشعر أن أنفاسي ستتوقف، ومددت يدي لأخرج هاتفاً عتيقاً بقرص دوار، من النوع الذي انقرض منذ عقود. كانت شاشة صغيرة مثبتة عليه يدوياً تومض باللون الأحمر القاني، واسم المتصل كان: (أنا).
رفعت السماعة بيد ترتجف، وجاءني صوتي، نعم هو صوتي بكل تفاصيله، لكنه كان يهمس بنبرة يملؤها الرعب المحض:

"ياسين.. لا تفتح الدرج الثالث مهما حدث. إنهم لا يريدون الخروج، إنهم يريدون سحبك للداخل. جدي لم ينتحر، جدي تم استدراجه عبر الشفرة.. والآن، انظر خلفك".
تجمدت تماماً. شعرت ببرودة أنفاس حقيقية تلامس أذني، وصوت ضحكة جدي المبحوحة بدأ يملأ أركان الغرفة، ليس من الهاتف هذه المرة، بل من كل زاوية مظلمة حول المحيط. نظرت إلى المرآة مرة أخرى، فاختفت الكلمات وظهر وجهي، لكن عينيّ في الانعكاس كانت تنزف ذلك السائل الأسود اللزج، ويد نحيلة بدأت تخرج من إطار المرآة لتمسك بكتفي.

كان الخيار أمامي مستحيلاً: إما أن أفتح الدرج الثالث لأواجه ما فيه، أو أستسلم لليد التي تجذبني نحو عالم المرآة. وفي لحظة اليأس تلك، أضاءت شاشة هاتف "ياسين" المفقود، الذي ظهر فجأة فوق المكتب، برسالة جديدة: "العد التنازلي للضحية الثانية بدأ.. والمفتاح مدفون تحت جلدك".
هل سيجرؤ ياسين على فتح الدرج؟ وما هو السر الذي دفنه الجد ولم يخبر به أحداً؟ انتظروا الحلقة القادمة من (النداء المجهول) لتعرفوا حقيقة المفتاح المدفون.
انتظرونا في الحلقة الثالثة.