حين تكلّم الصمت باسمي

حين تكلّم الصمت باسمي

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

لم أكن خائفة من الوحدة، كنت خائفة مما سأسمعه إذا تكلم الصمت

لم يكن الصمت بالنسبة لها فراغًا، بل كائنًا حيًا يتنفس في الغرفة، يراقبها من زوايا لا تُرى. منذ تلك الليلة، لم تعد الأصوات كما كانت، ولم تعد الكلمات قادرة على أداء وظيفتها القديمة. كل شيء صار أثقل، حتى الهواء.

جلست “ليان” أمام النافذة في الطابق الرابع، تراقب الشارع الذي يحفظ خطاها أكثر مما تحفظه ذاكرتها. كانت تشعر أن المدينة تعرف عنها أشياء لا تعرفها هي عن نفسها. السيارات تمر، الناس تعبر، والحياة تستمر بعناد، وكأن شيئًا لم ينكسر بداخلها.

قبل عام واحد فقط، كانت تضحك بسهولة، تتحدث بثقة، وتؤمن أن الوضوح نجاة. لكنها تعلمت متأخرة أن بعض الحقائق لا تُقال، لأنها إن قيلت، تُدمر كل ما تبقى. منذ رحيله، أصبح الصمت لغتها الأولى، لا لأنها لا تملك ما تقوله، بل لأن ما بداخلها أكبر من أن يُنطق.

كانت تعمل في مكتبة صغيرة، تحب ترتيب الكتب، لا لشيء إلا لأن الفوضى بين الصفحات تشبه الفوضى في عقلها. هناك، بين الروايات القديمة والكتب المنسية، كانت تشعر أنها أقل وحدة. فكل كتاب يحمل ألمًا، وكل قصة نجت لأن أحدًا كتبها.

في أحد الأيام، وجدت دفتراً بلا عنوان، موضوعًا بين كتابين لا علاقة بينهما. فتحته بفضول، فوجدت أول صفحة مكتوب فيها:
“إن قرأتِ هذا، فأنتِ تبحثين عن إجابة.”

تسارعت دقات قلبها. الخط كان مألوفًا، حدًا مؤلمًا من الألفة. واصلت القراءة، فوجدت كلمات تحكي عنها، عن خوفها، عن تلك الليلة التي غيرت كل شيء. الدفتر لم يكن مجرد أوراق، بل مرآة.

مع كل صفحة، كانت تشعر أن الصمت يتكلم، لا بصوت مرتفع، بل بحقيقة واضحة. أدركت أن الهروب لم يحمها، وأن النسيان لم يكن شفاءً، بل تأجيلًا للمواجهة. الشخص الذي كتب الدفتر لم يكن يلومها، بل كان ينتظرها.

في الصفحة الأخيرة، وجدت جملة واحدة:
“النجاة لا تكون بالهروب، بل بالاعتراف.”

أغلقت الدفتر ودموعها تنهمر بصمت. لأول مرة منذ عام، لم تشعر بالخوف من البكاء. خرجت من المكتبة وهي تحمل الدفتر، وكأنها تحمل نفسها للمرة الأولى.

في تلك الليلة، جلست وكتبت. لم تكتب لتنسى، بل لتتذكر دون أن تنهار. كتبت عن الألم، عن الخطأ، وعن الإنسان الذي تكونه عندما يتوقف عن الكذب على نفسه.

مع شروق الشمس، شعرت بشيء جديد. لم يكن فرحًا، ولم يكن حزنًا، بل سلامًا خجولًا. أدركت أن الصمت لم يكن عدوها، بل كان يحميها حتى تصبح مستعدة للكلام.

وحين نطقت باسمها بصوتٍ مسموع، لم يعد الصمت يراقبها… بل ابتسم وغادر

.image about حين تكلّم الصمت باسمي

ما قاله الصمت أخيرًا

وفي مساء هادئ، وبينما كانت ليان تستعد لإغلاق المكتبة، لفت انتباهها صوت خفيف صادر من الرف الخلفي، كأن كتابًا سقط أو ورقة تحركت وحدها. لم تكن تخاف، لكنها توقفت. هناك، في المكان نفسه الذي وجدت فيه الدفتر أول مرة، كان هناك ظرف أبيض صغير، لم يكن موجودًا من قبل.

فتحت الظرف بيد مرتعشة. بداخله رسالة قصيرة، بخط مختلف، لكنها تحمل المعنى ذاته:

“آن الأوان أن تعرفي الحقيقة كاملة.”

شعرت بانقباض في صدرها. جلست، وبدأت تقرأ. الكلمات لم تكن غامضة، بل واضحة حد القسوة. الحقيقة التي حاولت الهروب منها لم تكن كما أقنعت نفسها. لم يكن رحيله بسببها، ولم يكن صمتها ذنبًا. كان قد اختار الرحيل لأنه خاف من مواجهتها بالحقيقة، فترك لها العبء كاملًا.

في نهاية الرسالة، جملة واحدة فقط:
“الدفتر كتبته أنا… لنفسي.”

تجمدت ليان في مكانها. فجأة، فهمت. لم يكن هناك شخص آخر. لم يكن الصمت كيانًا غريبًا. كل تلك الكلمات، كل تلك المواجهات، كانت منها… ولها. عقلها صنع طريقًا آمنًا لتنجو.

لم تشعر بالانهيار، بل بالتحرر. الحقيقة لم تكن صادمة، بل مريحة. أدركت أن الإنسان قد ينقذ نفسه بطرق لا يتخيلها، وأن العقل أحيانًا يكتب قصصًا ليحمي القلب.

أعادت الرسالة إلى الظرف، وأغلقت الدفتر، لكن هذه المرة دون حزن. أطفأت أنوار المكتبة، وخرجت إلى الشارع. لم تنظر خلفها.

مع أول خطوة، شعرت بأن الصمت لم يعد يتكلم باسمها…
بل ترك لها الصوت كاملًا، ومضى.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
mariam abdulmonem تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.