مقالات اخري بواسطة Eman Mohamed
حارس الوقت الأخير ( الجزء الاول)

حارس الوقت الأخير ( الجزء الاول)

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

حارس الوقت الأخير 

الفصل الأول: حين أنَّ الزمن

لم يكن سِراج يعرف عمره الحقيقي، ولم يكن ذلك أمرًا غريبًا في برج الساعات
فهنا، لا تُقاس الأعمار بالسنوات، بل بعدد المرات التي ينجو فيها المرء من أن يُمحى من مجرى الزمن. بعض الحرّاس عاشوا قرونًا ولم يشيخوا، وآخرون ذابوا في الدورات الأولى، كأنهم لم يوجدوا قط.

كان سراج يقف تلك الليلة عند الشرفة العليا للبرج، حيث يُمنع المتدرّبون من الوقوف طويلًا. الهواء بارد، جاف، يحمل رائحة الصحراء الرمادية التي تحيط بالمكان من كل الجهات. صحراء لا تنمو فيها نباتات، ولا تتحرك فيها الرياح إلا نادرًا، كأن الزمن نسيها عمدًا.

رفع بصره نحو الساعة العملاقة في قمة البرج.
كانت عقاربها تتحرك لكنها لم تفعل ذلك بيقينها المعتاد.

شعر سراج بانقباض في صدره.

منذ طفولته، لم يكن يرى خيوط الزمن كما يفعل غيره من الحرّاس، ولم يكن قادرًا على إيقاف لحظة أو تسريع أخرى. كل ما كان يملكه هو ذلك الإحساس الغريب، النبض الخفي الذي ينبّه قلبه حين يختلّ شيء لا يُرى.

وها هو الآن يئن.

وضع يده على صدره، وأغمض عينيه.
الدقّات لم تكن سريعة، بل ثقيلة، كأن كل ثانية تسقط داخله سقوط حجر في بئر عميقة.

هذا ليس طبيعيًا
تمتم بالكلمات دون صوت.

في برج الساعات، الزمن قانون، والقانون لا يمرض.

أدار ظهره للشرفة، وعاد إلى الداخل. الممرات الحجرية كانت مضاءة بضوء أزرق خافت ينبعث من رموز محفورة في الجدران، رموز لا يعرف معناها إلا الحرّاس الكبار. خطواته كانت خفيفة، لكنه شعر وكأن البرج بأكمله يسمعه.

مرّ بقاعة التدريب، حيث كانت ساعات الرمل معلّقة في الهواء، متوقفة عند لحظات مختلفة سقوط مدينة، ولادة ملك، آخر نفس لإنسان نُسي اسمه. لم يتوقف. لم يكن لديه رفاهية الفضول هذه الليلة.

اتجه إلى قاعة السجلات.

كانت القاعة قلب البرج الحقيقي.
مكتبة هائلة، تمتد رفوفها حتى السقف المقبب، تضم مخطوطات لماضٍ حدث، ولمستقبل لم يُسمح له بالحدوث. الدخول إلى هذا المكان دون إذن يُعد خرقًا لا يُغتفر… لكن النبض في صدره لم يترك له خيارًا.

ما إن خطا إلى الداخل، حتى شعر بتغيّر في الهواء. كان أثقل، أبطأ، كأن الزمن هنا يتحرك بحذر.

بدأ يبحث، لا بعينيه فقط، بل بذلك الإحساس الذي يقوده. مرّ على عشرات السجلات حتى توقفت يده عند مخطوطة صغيرة، موضوعة في زاوية مظلمة، لا تحمل ختم الحرّاس.

فتحها.

كانت اللغة قديمة، متآكلة، لكن الكلمات بقيت حية:

"حين يئنّ الزمن،
لا يبحث عن سيدٍ يقيّده،
بل عن من يسمعه."

ارتجفت يد سراج.

لم تكن هذه نبوءة عادية. لم تتحدث عن حرب، ولا عن دمار، ولا عن منقذ عظيم. كانت كلمات بسيطة ومخيفة.

قبل أن يستوعب معناها، حدث ما لم يحدث منذ بداية الحراسة الأولى.

اهتزّ البرج.

ليس اهتزاز زلزال، بل ارتعاشة مكتومة، كأن البناء نفسه تنفّس بعمق ثم حبس أنفاسه. وفي الأعلى، توقفت الساعة العملاقة.

ثانية واحدة فقط.

لكن في عالمٍ يحكمه الزمن، كانت تلك الثانية كفيلة بزعزعة كل شيء.

دوّى صوت الإنذار، صوت لا يسمعه إلا الحرّاس، لا يأتي من جرس أو آلة، بل من داخل عقولهم مباشرة. سقطت بعض المخطوطات من الرفوف، وتغيّر لون الرموز على الجدران إلى الأحمر الداكن.

– "شرخ!"
صرخ أحد الحرّاس في الممر.

خرج سراج مسرعًا، ليرى الحرّاس الكبار مجتمعين، وجوههم متجهمة على غير العادة. كانت خيوط الزمن مرئية حولهم، مضطربة، ملتوية، كأنها تحاول الهرب.

قال المعلّم الأكبر بصوت ثقيل:
 "الدائرة الزمنية تضرّرت. هناك شرخ في الأطراف."

سكت الجميع لحظة.
الشرخ لم يكن كسرًا عاديًا، بل خللًا يسمح للزمن أن ينساب بلا شكل.

"نرسل ثلاثة من الحراس الأقوى."
قال آخر.

لم يُذكر اسم سراج.

وقف في الخلف، صامتًا، لكن النبض في صدره ازداد إلحاحا. شعر بشيء يشده بعيدًا عن البرج، نحو الصحراء، نحو مكان لا يعرفه لكنه يعرفه في الوقت نفسه.

وفي تلك الليلة، حين خفتت الأصوات، وخرج الحرّاس في مهمتهم، ظهر له رجل لم يسمع خطواته.

كان يقف في الظل، ملامحه غير ثابتة، كأن الزمن نفسه يعجز عن تثبيتها.

قال له بهدوء:
 "إن ذهبوا وحدهم، لن يعودوا."

تصلّب سراج.
 "من أنت؟"

ابتسم الرجل ابتسامة لا عمر لها.
 "سؤال خاطئ. السؤال هو: هل ستصغي؟"

اختفى قبل أن يُقال شيء آخر، لكن الكلمات بقيت.

لم ينتظر سراج الإذن.
ارتدى عباءته، وخرج من البرج، متتبعًا النبض في صدره.

مع كل خطوة في الصحراء، شعر بثقل أعمار ليست له. رأى آثارًا زمنية مشوّهة: ظل شجرة لم توجد، بقايا مدينة لم تُبْنَ بعد. وعندما وصل إلى مركز الشرخ، رآهم.

الحرّاس الثلاثة.

كانوا عالقين في حلقة واحدة، يكررون الحركة نفسها، بلا وعي، بلا إدراك.

وفي المنتصف…
جلس طفل.

طفل صغير، منكسر، يبكي بلا صوت.

اقترب سراج ببطء.
لم يستخدم أدواته، لم يستدعِ القوانين، لم يحاول السيطرة.

جلس أمام الطفل، وقال ببساطة:
 "أنا أسمعك."

رفع الطفل رأسه.
وتوقّف الزمن عن النزف.

وفي تلك اللحظة، فهم سراج أن الحراسة لم تكن يومًا سيطرة،
بل إصغاء.

وهكذا، بدأت حكاية حارس الوقت الأخير.image about حارس الوقت الأخير ( الجزء الاول)

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Eman Mohamed تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.