حارس الوقت الأخير(الفصل الرابع)

الفصل الرابع: الانقسام الكبير
لم ينهَر برج الساعات بعد.
كان ذلك هو الأمر الأكثر رعبًا.
بعد صرخة الزمن، وبعد سقوط العقرب العملاق نحو مستقبلٍ لم يولد بعد، توقّف كل شيء عند حدٍّ هشّ، كأن الواقع نفسه يحبس أنفاسه. الجدران المتشققة بقيت معلّقة في الهواء، والحرّاس العالقون في الثواني لم يسقطوا ولم ينجوا، والزمن… لم يتقدّم، ولم يتراجع.
كان البرج في تعليق.
وسط هذا السكون المشوّه، اجتمع من تبقّى من الحرّاس في القاعة السفلى، وهي أقدم نقطة في البرج، حيث لا تصل العقارب، ولا تُسمع الدقّات، وحيث تُتّخذ القرارات التي لا يدوّنها التاريخ.
وقف المعلّم الأكبر مستندًا إلى عصاه الزمنية، التي لم تعد تتوهّج كما اعتادت. بدا أكبر من أي وقت مضى، لا في السن، بل في العبء.
"ما حدث اليوم…"
توقّف، كأن الكلمات أثقل من أن تُقال.
"ليس خللًا عابرًا. الزمن تكلّم. وعلينا أن نقرّر كيف نرد."
ارتفعت همهمات في القاعة.
الخوف لم يكن متشابهًا؛ بعضه كان غضبًا، بعضه إنكارًا، وبعضه… حنينًا إلى نظامٍ كان مريحًا.
تقدّم الحارس نيرفال، أحد أقدم الحرّاس وأكثرهم تشددًا.
"نردّ كما فعلنا دائمًا. نُخضع الزمن. نُعيد التوازن بالقوة إن لزم الأمر."
ضرب بعصاه الأرض، فارتجفت الخيوط الزمنية الخافتة حوله، محاولة الطاعة.
"إن تركناه يتحرّك بحرّيته…"
تابع بصوت حاد،
"ستنهار العوالم. سيموت الملايين. نحن هنا لمنع ذلك."
ساد صمت ثقيل.
كان هذا هو المنطق الذي تربّى عليه الجميع.
المنطق الذي أنقذ عوالم… ودمّر احتمالات.
رفع سِراج رأسه ببطء.
لم يكن ينوي الكلام، لكن النبض في صدره لم يهدأ منذ مواجهة الزمن، وكأنه يدفعه إلى الأمام.
"وماذا لو كنّا نحن سبب الانهيار؟"
التفتت العيون نحوه دفعة واحدة.
"نحن لم نحفظ التوازن،"
قال، وصوته هادئ على غير العادة،
"نحن ثبّتناه. جمّدناه عند النقطة التي تناسب خوفنا."
اقترب خطوة.
"الزمن لم يهاجمنا لأنه شرير… بل لأنه سُجن."
ضحك نيرفال بمرارة.
"أنت شاب. سمعت صوته فظننت أنه الحقيقة. الزمن كاذب بطبيعته، يتغيّر ليخدم نفسه."
"وألسنا نحن كذلك؟"
ردّ سِراج.
كانت تلك الجملة هي الشرارة.
انقسمت القاعة بصريًا قبل أن تنقسم فكريًا.
الخيوط الزمنية بدأت تميل: ألوان باردة تحيط بنيرفال ومن يؤيده، ألوان دافئة مضطربة قرب سِراج ومن بدأوا يترددون.
قالت الحارسة إلين، بصوت متكسّر:
"رأيت المدن التي محوناها… لم تكن فوضى. كانت فقط مختلفة."
ردّ حارس آخر بعصبية:
"والاختلاف يقتل!"
ارتفعت الأصوات، وبدأ الزمن نفسه يتأثر.
الدقائق تطول في جانب، وتتقلص في جانب آخر.
نظر المعلّم الأكبر إلى المشهد، وعيناه ممتلئتان بحزن عميق.
"هذا ما حذّرتنا منه السجلات القديمة…"
همس.
"حين يختلف الحرّاس، ينكسر الخط الواحد."
رفع صوته:
"كفى!"
ساد الصمت بالقوة، لا بالاقتناع.
"لن نقرر الآن مصير الزمن كله."
قال.
"لكننا لن نستطيع الاستمرار ككيان واحد."
التفت إلى نيرفال:
"أنت ومن معك ستتولّون التثبيت الأعظم. إعادة السيطرة، مهما كان الثمن."
ثم نظر إلى سِراج.
تردّد لحظة، ثم قال:
"وأنت… ستغادر البرج."
تسارعت الأنفاس.
"ستبحث عن أصل الوعي الزمني،"
تابع،
"عن النقطة التي بدأ عندها الزمن يتذكّر نفسه. إن كان هناك طريق ثالث… ستجده."
اقترب سِراج خطوة.
"وهل أعود؟"
لم يجب المعلّم مباشرة.
ثم قال:
"إن عاد البرج كما كان… فلن يكون لك مكان فيه."
في تلك اللحظة، شعر سِراج بأن شيئًا في صدره ينكسر، لا كألم، بل كتحرّر.
كان يعرف، في أعماقه، أن هذا المكان لم يعد ينتمي إليه.
تحرّك الحرّاس.
انفصلوا.
أبواب لم تُفتح منذ قرون عادت للظهور.
ممرّات تؤدي إلى أزمنة غير مراقبة، أُغلقت سابقًا خوفًا من المجهول.
وقبل أن يغادر، شعر سِراج بارتعاش خفيف في الهواء.
ليس عنيفًا… بل حميمًا.
صوت الزمن، مرة أخرى، لكن هذه المرة همسًا.
"اخترت."
لم يكن مدحًا.
ولا تحذيرًا.
كان إقرارًا.
خطا سِراج خارج حدود البرج، إلى زمنٍ لم يُرسم بعد، بينما خلفه بدأ الحرّاس حربهم مع شيء لا يمكن كسره دون كسر أنفسهم.
وفي الأعلى، حيث العقرب المكسور،
بدأ العدّ يتغيّر.
ليس تنازليًا.
بل… متشعّبًا.
وهكذا، لم يعد السؤال:
كيف نوقف الزمن؟
بل:
من يملك الحق في قيادته؟
