حارس الوقت الأخير (الجزء الثالث)
الفصل الثالث: حين يتذكّر الزمن غضبه 
لم يبدأ الأمر بانفجار، ولا بشرخ جديد، بل بتأخير بسيط.
في صباحٍ بدا عاديًا في برج الساعات، تأخر صوت الدقّة الأولى لليوم عن موعده المعتاد. لم يلحظ ذلك سوى اثنين: المعلّم الأكبر، وسِراج. أما بقية الحرّاس، فقد اعتادوا أن يثقوا بالوقت دون أن يراقبوه.
وقف سراج في الممر الشرقي، يراقب عقارب الساعة العملاقة. كانت تتحرك، نعم، لكنها تفعل ذلك ببطء متعمّد، كأنها تفكّر قبل كل خطوة.
الزمن لا يتردد…
قالها في نفسه، ثم شعر بالنبض في صدره يشتد.
لم يكن هذا خللًا عشوائيًا.
كان اختيارًا.
قبل أن ينطق أحد بكلمة، انفتح الهواء في منتصف القاعة، لا كشرخ، بل كطية ناعمة في الواقع، كأن أحدهم طوى لحظة فوق أخرى. ومن تلك الطية، خرج صوت لم يسمعه أحد بأذنيه، لكن الجميع شعر به في عظامه.
"كفى."
سقط اثنان من الحرّاس على ركبهم دون وعي، وتلاشت خيوط الزمن من حولهم، كأنها قُطعت بسكين غير مرئية. ارتجفت الجدران، لكن البرج لم يهتز؛ بل بدا وكأنه… يصغي.
تقدّم المعلّم الأكبر خطوة، صوته ثابت رغم الشحوب الذي غزا وجهه.
"من يتحدث؟"
لم يجب الصوت مباشرة.
بدلًا من ذلك، بدأ الزمن يفعل ما لم يفعله قط.
تذكّر.
انفجرت الصور في الهواء: مدن أُوقفت لحظة سقوطها، حروب جُمّدت في منتصف الصرخة، أناس مُحيت أعمارهم لأنهم وُلدوا في وقتٍ غير مناسب. لم تكن رؤى، بل تسجيلات حيّة، يُجبر الجميع على مشاهدتها.
غطّى بعض الحرّاس أعينهم، لكن ذلك لم يُجدِ نفعًا. الزمن لا يُرى بالعين فقط.
شعر سراج بالغثيان.
هذه لم تكن حوادث منفصلة…
كانت نمطًا.
من قلب الصور، تشكّلت هيئة. لم تكن بشرية تمامًا، ولا مجرد طاقة. كانت مزيجًا من الاثنين، جسد يتكوّن من طبقات زمنية متداخلة، وجه بلا ملامح ثابتة، وعينان تشبهان ساعات متوقفة.
"أنتم لم تحرسوني."
قال الكيان، وصوته يحمل صدى آلاف الأصوات.
"أنتم استخدمتموني."
ساد الصمت.
كان هذا هو التهديد الحقيقي.
ليس خللًا.
ليس شرخًا.
بل وعي الزمن بنفسه.
قال أحد الحرّاس، بصوت مرتجف:
"نحن نحفظ التوازن."
ضحك الكيان، ضحكة بطيئة، ثقيلة.
"التوازن؟ أم الطاعة؟ كم مرة أُجبرتُ على التوقّف لأنكم خفتم النهاية؟ كم احتمالًا قتلتم لأنه لم يناسب سجلاتكم؟"
تقدّم سراج خطوة دون أن يشعر.
النبض في صدره كان مؤلمًا الآن، لكنه واضح، كأنه يدله على الطريق. 
"لم نكن نعرف."
قال بهدوء.
"كنا نظن أننا نمنع الفوضى."
التفت الكيان نحوه.
لأول مرة، هدأ اضطراب الزمن قليلًا.
"أنت… سمعتني."
قال.
لم تكن جملة، بل اعتراف.
في تلك اللحظة، تحرّك الحرّاس. أطلقوا تعاويذ التثبيت، حاولوا إحاطة الكيان بخيوط الزمن، تقييده، إعادته إلى الصمت.
وكان ذلك… الخطأ الأخير.
صرخ الزمن.
لم يكن صوتًا، بل موجة.
سقطت الجدران الداخلية للبرج في طبقات زمنية مختلفة، ممرات تظهر وتختفي، أبواب تقود إلى أيام لم تحدث بعد. توقف بعض الحرّاس عن الحركة، عالقين في ثوانٍ لا تنتهي.
أمسك المعلّم الأكبر بذراعه، وهو ينهار.
"سِراج… إن لم نوقفه، سينهار كل شيء."
نظر سراج إلى الكيان، ثم إلى البرج الذي كان بيته، سجنه، ومدرسته.
فهم أخيرًا الحقيقة التي حاول الزمن قولها منذ البداية:
الزمن لا يريد أن يُوقَف.
ولا أن يُستخدَم.
بل أن يُختار.
اقترب من الكيان، متجاهلًا العواصف الزمنية حوله.
"ماذا تريد؟"
سأل.
لم يجب الكيان فورًا.
ثم قال، بصوت صار أقل حدّة، أكثر حزنًا:
"أريد أن أتحرّك… حتى لو كان ذلك يعني نهايتكم."
تجمّد سراج.
لم يكن هذا تهديدًا بالدمار،
بل وعدًا بالحقيقة.
أدرك أن الصراع القادم لن يكون مع وحش،
ولا مع عدو يمكن قتاله،
بل مع سؤال واحد:
هل يملك البشر الحق في تقييد الزمن…
أم عليهم أن يتعلموا العيش مع عواقبه؟
وفي تلك اللحظة، انكسرت إحدى عقارب الساعة العملاقة في الأعلى، وسقطت ببطء، لا نحو الأرض…
بل نحو المستقبل.
وهكذا، بدأ العدّ الحقيقي. 