البيت الذي يتنفس
في أطراف القرية، كان هناك بيت لا يزوره أحد.
ليس لأنه مهجور…
بل لأن كل من اقترب منه، شعر بأن المكان يعرفه.
ظلّ البيت واقفًا منذ عشرين عامًا، منذ اختفاء عائلة كاملة في ليلة واحدة دون صراخ، دون آثار، ودون تفسير. فقط صمتٌ ثقيل، كأن القرية بأكملها اتفقت على نسيانه.
سامي، الصحفي الشاب، لم يكن يؤمن بالخرافات، لكنه كان يبحث عن قصة تُميز اسمه.
في طريقه إلى أطراف القرية، كان البيت المهجور يلوح في الأفق: جدرانه المتشققة، نوافذه السوداء، وبابه الخشبي المهترئ. كل شيء يوحي بالغموض والرهبة.
المسار نحو البيت كان معتمًا، والأشجار على جانبيه تتحرك ببطء مع الرياح، كأنها تراقب خطواته. كلما اقترب، شعر سامي بثقل في قلبه، شعور غريب… كأن المكان يترقبه.
دخل سامي البيت عند الغروب، أغلق الباب خلفه، لكن لم يسمع صوت الإغلاق، فقط شعور بالضيق حوله، وكأن الجدران تتحرك لتقبض عليه.اقترب سامي، ومعه كاميرته ودفتره في اليد. كان الغروب يرسم خطوط الظل الطويلة على الجدران، والرياح تعزف لحنًا خافتًا عبر الأشجار.
دخل البيت، وأغلق الباب خلفه. لم يكن هناك صوت الإغلاق… فقط شعور بثقلٍ ثقيل يغلق عليه .
الهواء داخل البيت كان دافئًا، رغم برودة الخارج.
الجدران مليئة بخدوش رفيعة، تشبه آثار أظافر. كلما مرر سامي يده عليها، شعر بحرارة خفيفة، كأن الجدران تتنفس.
بدأ يسمع همسات، خافتة وغير مفهومة في البداية. ثم بدأت الكلمات تتضح ببطء:
"اخرج… اخرج… أنت هنا متأخر…"
حاول أن يتجاهل الصوت، لكن قلبه كان ينبض بسرعة، وكل جزء في جسده يصرخ بالخطر. حاول تسجيل الصوت، لكن الكاميرا توقفت فجأة، وظهرت على الشاشة صورة واحدة فقط: طفلة واقفة في الظل، بدون فم، عيونها مليئة باللوم.
استدار بسرعة، لكن لم يجد أحدًا.
نظر في المرآة المكسورة على الحائط… انعكاسه لم يكن كما يجب. الانعكاس تأخر جزءًا من الثانية عن حركته، وكان يبتسم بطريقة مختلفة، أكثر تعبيرًا عن القلق والخوف.
ابتسم سامي بتوتر…
لكن انعكاسه لم يبتسم.
اقترب الانعكاس من الزجاج وهمس:
"أنت عدت."
تحطمت المرآة فجأة، وتناثرت الشظايا، وكل واحدة عكست وجهًا مختلفًا لسامي… وجوهًا خائفة، نادمة، هاربة.
في زاوية بعيدة من الغرفة، بدأت الطفلة تظهر تدريجيًا، كظل يتحرك ببطء.
فستانها متسخ، شعرها مبلل، والهواء من حولها يزداد برودة
قال سامي بصوت مرتجف:
"من أنتِ؟"
استدارت ببطء.
لم تجب. لم يكن لها فم. عينان واسعتان تراقبان كل حركة له. ثم جاء الصوت في رأسه:
"أنت وعدت…"
سقط على ركبتيه.
"لا أعرفك…"
رد الصوت بهدوء قاتل:
"كلهم قالوا ذلك."
كان يعرف، بطريقة غريبة، أن الحديث مع الطفلة ليس كلامًا… بل تواصل مباشر مع عقلها
صعود إلى الطابق العلوي
هرب سامي إلى الطابق العلوي، حيث الغرف أكثر ظلمة وخوفًا.
وجد غرفة بلا نوافذ، والجدران مليئة بكتابة واحدة تتكرر بخطوط مختلفة:
"نحن هنا لأنك نسيت."
بدأت ذاكرته تعود، صور طفولة ضائعة، صرخات لم يسمعها، أصوات مياه تتساقط، أصوات خطى خافتة في الليل… كل شيء بدا مألوفًا، وكأنه كان هنا من قبل.
في نهاية الطابق، وجد بابًا صغيرًا مخفيًا خلف خزانة قديمة.
عندما فتحه، اكتشف غرفة سرية، مليئة بأشياء متروكة منذ سنوات: ألعاب قديمة، صور للعائلة المفقودة، ودفتر صغير يحتوي على ملاحظات غريبة:
"البيت لا ينسى… من ينسى يعود…"
بدأ سامي يشعر بأن البيت يتفاعل مع كل مشاعره. كل خطوة، كل تنفس، كل فكرة… كان يسمع صدى داخلي يعكسها. أدرك الحقيقة أخيرًا: البيت لا يقتل أحدًا، هو يذكّر فقط.
من ينسى الماضي، يجد نفسه محتجزًا بين الجدران، محاصرًا بالذكريات التي رفض مواجهتها.
في منتصف الغرفة، ظهرت الطفلة بشكل أوضح.
عيونها الآن تتلألأ باللوم والحزن.
بدأ سامي يتذكر: طفولته، الأحلام المفقودة، صرخات لم يسمعها أحد… وكلها مرتبطة بهذا البيت.
"لقد نسيت…" قال سامي لنفسه، والدموع تسيل.
"لكن الآن أتذكر…"
الطفلة لم تتحرك، لكنها كانت رمزية لجزء من روحه المفقود. جلس سامي على الأرض، يحاول جمع شتات عقله.
الطفلة لم تتحرك، لكنها كانت حاضرة دائمًا في زاوية عينه.
صوتها في رأسه يكمل:
"كل شيء نسيتَه يعود الآن…"
بدأت الغرفة تتغير. الجدران تتحرك ببطء، كأن البيت نفسه يضيق. الظلال تتراقص على الأرض، والهواء أصبح أثقل من أي وقت مضى.
تذكّر حلمًا قديمًا، والبيت… البيت كان حاضرًا في كل تفاصيله. صرخ، حاول الهرب، لكنه شعر أن قدماه تعلقان بالأرض، وكأن البيت نفسه يمسكه.فهم الحقيقة متأخرًا:
هو لم يأتِ ليكتب قصة.
هو جاء ليتذكر.
البيت يحتفظ بمن يهرب من ذنبه.
حاول سامي الهروب، لكن الطابق العلوي أصبح متغيرًا، كأن البيت نفسه يحد من حركته.
الظلال تتحرك، الجدران تضيق، والهمسات تزداد وضوحًا:
"تذكر… نحن هنا… أنت وعدت…"
بدأ عقله يضعف، لكنه استمر في مواجهة خوفه وذكرياته، وكتب كل ما رأى في دفتره.
النهاية
في الصباح، عُثر على دفتر سامي أمام البيت، كاميرته بجانبه، سليمة تمامًا.
أما هو… فلم يُعثر عليه.
لكن الغريب أن البيت لم يعد مهجورًا.
في بعض الليالي، يرى أهل القرية ظل رجل يقف خلف النوافذ، يكتب شيئًا في دفتر… ينظر إليهم وكأنه يطلب المساعدة.
البيت لا ينام
هو يحتفظ بمن ينسى، ويعيده ليواجه الماضي للأبد.