حارس الوقت الأخير(الفصل الخامس)
الفصل الخامس: الرحلة إلى الزمن المحظور
لم يكن الخروج من برج الساعات حدثًا دراميًا كما تخيّله سِراج يومًا.
لا انفجار،
لا وداع أخير،
ولا موسيقى ملحمية ترافق الخطوة الأولى.
كان مجرد صمت.
حين عبر العتبة الأخيرة، اختفت الدقّات خلفه دفعة واحدة، كأن البرج أُغلق على نفسه، لا كحارس مهجور، بل ككائن قرر ألا يلتفت.
توقّف سِراج لحظة.
أدار رأسه…
لم يرَ شيئًا.
لا برج.
لا ممر.
ولا حتى ظلام.
كان يقف في فراغ رمادي نابض، لا أرض تحته ولا سماء فوقه، لكن جسده لم يسقط. الزمن هنا لم يكن خطًا، بل كثافة، يحمل الأشياء بدل أن يمرّ بها.
أخرج البلّورة الزمنية من جيبه.
كانت هدية المعلّم الأكبر الأخيرة… دون كلمات.
البلّورة لم تتوهّج.
بل ارتجفت.
"إذًا هذا هو الزمن المحظور…"
همس.
لم يكن مكانًا مُحرّمًا لأنه خطير فقط،
بل لأنه غير خاضع للرواية الرسمية.
هنا، لا سجلات.
لا تصحيحات.
ولا أحد يقرر ما يجب أن يحدث.
خطا خطوة إلى الأمام.
فانفتح المشهد.
ظهرت مدينة.
لكنها لم تكن كاملة.
مبانٍ نصف موجودة، شوارع تتكرر ثم تنكسر، سماء تتبدّل ألوانها كل بضع ثوانٍ، وأناس… يمرّون ثم يختفون، لا بالموت، بل بالنسيان.
شعر سِراج بوخز في صدره.
هذه مدينة أُلغيت.
مدينة كان يجب أن توجد،
ثم قرر الحرّاس أنها غير مناسبة للتوازن.
تقدّم ببطء، يراقب التفاصيل.
كل شيء هنا كان يعيش في احتمال دائم.
رأى طفلًا يركض، يتوقف فجأة، ثم يعود أصغر بعام.
امرأة تتكلم مع ظلّها، كأن الزمن نسي أن يمنحها مستقبلًا.
برجًا مكسورًا في منتصف الساحة…
يشبه، بشكل مقلق، برج الساعات.
"لا تلمس الذكريات."
قال صوت خلفه.
استدار بسرعة.
كانت فتاة.
في مثل عمره تقريبًا.
شعرها داكن، وعيناها تحملان إرهاق من عاش أكثر من عمره.
لم تكن حارسة.
لم ترتدِ أي رمز زمني.
"من أنتِ؟"
سأل.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن ودودة تمامًا.
"اسمي لين.
وأنت… أول حارس يجرؤ على المجيء إلى هنا دون نية محو المكان."
نظر حوله.
"أنتِ تعيشين هنا؟"
"نحن لا نعيش."
صححّت.
"نستمر."
جلست على درج غير مكتمل، وكأن الجاذبية فكرة اختيارية.
"هذه المدينة اسمها أوران.
أُلغيت منذ مئة وسبعة أعوام زمنية لأن نهايتها لم تكن أنيقة."
شعر سِراج بقبضة في قلبه.
"أنتم… ضحية التثبيت."
ضحكت لين.
"نحن نتيجة الخوف."
قبل أن يرد، تغيّر الهواء.
ليس بعنف… بل بانتباه.
شعر سِراج بنفس الإحساس الذي شعر به في البرج.
النبض.
الحضور.
"إنه يسمع."
قالت لين بهدوء.
"الزمن؟"
سأل.
هزّت رأسها.
"ليس الزمن كله.
بل ما تبقّى منه هنا."
تشكّل ظل في الساحة.
ليس تجسّدًا كاملًا، بل انعكاسًا، كمرآة لا تعكس إلا الاحتمالات.
رأى سِراج صورًا سريعة:
نفسه كحارس أعظم،
نفسه كخائن،
نفسه… غير موجود.
"أنت تبحث عن أصل الوعي."
قال الظل، بصوت غير ثابت.
"لكن الأصل ليس نقطة واحدة."
اقترب سِراج خطوة.
"إذًا ما هو؟"
"جرح."
أجاب الظل.
"جرح لم يُسمح له بالالتئام."
اختفى الظل فجأة.
سادت لحظة صمت ثقيل.
قالت لين:
"إن أردت المتابعة، فعليك أن تفهم شيئًا."
نظر إليها.
"الزمن المحظور لا يكافئ النوايا الطيبة."
قالت.
"هنا، كل اختيار له ثمن فوري."
نظر سِراج إلى البلّورة.
كانت الآن تتوهّج… بلون لم يره من قبل.
لون الاحتمال.
"لن أعود."
قال بهدوء.
أومأت لين.
"إذًا، لن تكون كما كنت."
في تلك اللحظة، اهتزّت المدينة.
ليس كزلزال…
بل كاستيقاظ.
في الأفق، ظهرت خيوط تثبيت زرقاء.
بعيدة… لكنها قادمة.
"الحرّاس."
قالت لين بحدة.
"التثبيت الأعظم بدأ."
شدّ سِراج قبضته.
لم يعد الصراع فكرة فلسفية.
ولا نقاشًا أخلاقيًا.
لقد أصبح مطاردة عبر الزمن.
نظر إلى المدينة، إلى الناس العالقين بين الوجود والعدم، ثم إلى الطريق المتشعّب أمامه، حيث تتداخل الأزمنة بلا خريطة.
خطا إلى الأمام.
وفي اللحظة التي اختار فيها المسار،
أُغلقت خلفه إمكانية العودة.
وهكذا، بدأت الرحلة التي لن تنقذ الزمن…
بل ستجبره على الاعتراف بنفسه.