مقالات اخري بواسطة amany magdy
حارس الوقت الأخير (الجزء التاني)

حارس الوقت الأخير (الجزء التاني)

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الفصل الثاني: ما لا يُكتب في السجلات

image about حارس الوقت الأخير (الجزء التاني)

لم يعد الصمت كما كان.

منذ أن عاد سِراج إلى برج الساعات، تغيّر كل شيء، رغم أن لا أحد اعترف بذلك صراحة. الجدران ذاتها، الممرات ذاتها، الرموز المنقوشة في الحجر ما زالت تتوهّج باللون الأزرق ذاته، لكن الزمن الزمن لم يعد مطيعًا.

كان يسير في أحد الممرات السفلية، حيث لا يُسمح إلا للحرّاس الكبار بالوجود، ومع ذلك لم يوقفه أحد. بعضهم اكتفى بنظرة سريعة، وآخرون أشاحوا بوجوههم، كأنهم يخشون أن يروه أكثر مما يليق.

أنا لم أعد متدرّبًا
فكّر سراج.
لكنني لست حارسًا بعد.

تلك المنطقة الرمادية بين اللقبين كانت أثقل من أي عباءة.

في قاعة المجلس، اجتمع الحرّاس السبعة، أولئك الذين شهدوا أكثر من دورة زمنية دون أن ينكسروا. كانت وجوههم متعبة، لا من السهر، بل من شيء أعمق: الشك.

وقف سراج أمامهم، يشعر بثبات غريب في قدميه، كأن الزمن نفسه يسنده.

قال المعلّم الأكبر، وهو رجل لا يُعرف إن كان شاخ أو توقّف عن الشيخوخة:
"أنت خالفت أوامر البرج."

لم ينكر سراج ذلك.
 "نعم."

 "وأنقذت الحرّاس الثلاثة."
قال آخر، بنبرة لا تخلو من تردّد.

 "لم أنقذهم."
ردّ سراج بهدوء.
"الزمن هو من توقّف عن النزف."

ساد الصمت.

لم يكن هذا جوابًا مُرضيًا، ولا تفسيرًا يمكن تدوينه في السجلات. في برج الساعات، كل شيء يجب أن يُفسَّر، أن يُقاس، أن يُعاد تكراره إن لزم الأمر. لكن ما فعله سراج لم يكن تقنية، ولا تعويذة، ولا تطبيقًا لقانون معروف.

كان إصغاء.

 "ما رأيته في مركز الشرخ؟"
سأل المعلّم الأكبر.

تردّد سراج لحظة. لم يكن متأكدًا إن كان ما رآه يمكن قوله دون أن يُساء فهمه.
"لم يكن وحشًا، ولا خللًا ميكانيكيًا."
قال أخيرًا.
"كان الزمن نفسه في أضعف حالاته."

تحرّك أحد الحرّاس في مقعده بعصبية.
 "الزمن ليس كائنًا حيًا."

 "بل نحن من تعاملنا معه كشيءٍ بلا صوت."
قال سراج.

لم يعلّق أحد.
لكن سراج شعر بذلك النبض الخافت في صدره من جديد، كأنه ينبّهه: ليس بعد… الحقيقة لم تُقل كاملة بعد.

بعد المجلس، لم يُصدروا حكمًا. لم يُعاقَب، ولم يُكافَأ. وهذا في حد ذاته كان حكمًا مؤجّلًا.

خرج سراج من القاعة، وعاد إلى جناحه القديم. كان من المفترض أن يُنقل إلى مستوى أعلى، لكن أحدًا لم يذكر الأمر. وكأن البرج نفسه يتردّد في وضعه في مكان ثابت.

في تلك الليلة، لم ينم.

كلما أغمض عينيه، رأى الطفل.

لم يعد يبكي، لكنه كان ينظر إليه بنظرة يصعب وصفها؛ ليست عتابًا، ولا شكرًا، بل انتظارًا. كأن ما حدث في الشرخ لم يكن نهاية، بل بداية حديث طويل لم يُستكمَل.

نهض سراج، وخرج بهدوء. هذه المرة، لم يتجه إلى قاعة السجلات المعروفة، بل إلى مستوى أعمق، مستوى لا يظهر في خرائط البرج، ولا يُذكر في الدروس.

هناك، خلف باب حجري بلا رموز، وجد ما لم يُفترض أن يجده.

السجلات الصامتة.

مخطوطات لم تُفتح منذ أول حراسة، لأنها لا تحكي ما حدث، بل ما كاد أن يحدث ثم مُنع. تواريخ أُغلقت بالقوة، وأحداث شُطبت لأن الزمن لم يحتملها.

مدّ يده إلى إحدى الصفحات، وما إن لمسها، حتى شعر بدوار خفيف. لم تكن كلمات، بل مشاعر: خوف، غضب، إرهاق.

فهم حينها شيئًا لم يخطر له من قبل:
الزمن لم يكن ينكسر فجأة
بل كان يتعب منذ زمن طويل.

سمع صوتًا خلفه.
 "كنت أعلم أنك ستأتي."

التفت، فرأى الرجل ذاته الذي ظهر له في الصحراء. هذه المرة، كانت ملامحه أوضح قليلًا، لكنها ما زالت غير ثابتة.

 "من أنت؟"
سأل سراج، بلهجة أكثر صلابة.

 "كنت حارسًا."
قال الرجل.
 "قبل أن يُمحى اسمي."

تجمّد سراج.
 "محو؟"

أومأ الرجل.
 "بعض الحقائق لا تُقتل، بل تُزال من الزمن نفسه."

اقترب خطوة.
"ما فعلته في الشرخ لم يكن إنقاذًا لحظة واحدة، بل كسر عادة قديمة. الحرّاس تعلّموا السيطرة، لا الفهم."

 "وماذا يريد الزمن؟"
سأل سراج.

ابتسم الرجل ابتسامة حزينة.
 "أن يُسمع… قبل أن يصرخ."

في اللحظة نفسها، دوّى ارتجاف خفيف في البرج. لم يكن شرخًا، بل تحذيرًا. شعر به سراج في عظامه.

 "هذا لن يكون الأخير."
قال الرجل.
 "الشرخ الأول كان تنفّسًا، القادم سيكون صرخة."

اختفى كما جاء، تاركًا سراج وحده بين السجلات الصامتة.

عاد سراج إلى شرفته قبل الفجر. نظر إلى الساعة العملاقة، فرأى العقارب تتحرك… لكن ليس بانتظامها القديم. كانت أبطأ، أكثر حذرًا، كأن الزمن نفسه يتعلّم المشي من جديد.

أدرك حينها أن ما ينتظره ليس لقبًا، ولا اعترافًا، بل طريقًا لا يشبه ما سار عليه الحرّاس من قبله.

طريق لا يُكتب في السجلات.
ولا يُدرَّس في القاعات.
ولا يُمنح بإذن.

وفي تلك اللحظة، همس النبض في صدره بحقيقة واحدة:

أن حارس الوقت الحقيقي لا يحمي الماضي،
ولا يسيطر على المستقبل،
بل يمنح الحاضر فرصة ألا ينكسر.

وهكذا، بدأت المهمة التي لم يُعلن عنها أحد…
مهمة سِراج وحده.image about حارس الوقت الأخير (الجزء التاني)

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
amany magdy تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.