سر الشريك العاشر
قصة قصيرة مستوحاة من أحداث حقيقية
الشريك العاشر
القرية التي تنتظر معجزة
كانت قرية السوالم في مطلع السبعينيات قطعة صغيرة من الريف المصري، لكن رغم هدوئها الظاهري، كانت تعيش صراعًا داخليًا بين الفقر، والبطالة، والخوف من المستقبل.
على أطراف القرية، تقع بيوت عائلة ( هِدية )العائلة التي عاشت في القرية منذ قرون، واستقرت جذورها في الأرض كأشجار الزيتون العتيقة.
في أحد هذه البيوت، كان يعيش كمال هِدية… شاب نحيل، طويل، بعينين تحملان ذكاءً حادًا ورغبة لا تهدأ. تخرج لتوه مهندسًا زراعيًا، لكنه عاد إلى القرية محملًا بشيء أكبر من الشهادة… انه الحلم والطموح.
لم يرث كمال من والده الراحل إلا تحويشة قدرها 200 جنيه مصري مجمّعة على شكل فئات صغيرة قديمة، تركها له والده الراحل بعد شقاء عمر كامل. لم تكن الأموال كثيرة، لكنها كانت آخر ما تبقى من رجل عاش حياته بالكاد، وترك وصيته الأخيرة لابنه:
"خلي بالك من الناس… الخير ما بيضيعش."
تلك الجملة ظلت محفورة في قلب كمال.
شرارة الفكرة
في إحدى الليالي، جلس كمال فوق سطح البيت الطيني، ينظر إلى حقول القمح الممتدة كبحرٍ ذهبي تحت ضوء القمر.
اقترب منه صديقه الأقرب يوسف عمران، المعروف بين أهل القرية بدماغه الواقعي ولسانه السريع.
قال يوسف مازحا:
ايه يا عم شكلك سرحان خالص شكلك بتخطط تطلع القمر.”
ابتسم كمال بخفوت:
— “قمر ايه بس !! لا… بس نفسي أعمل حاجة تغيّر حياتي ، حاجة ماتكونش نمطية ، حاجة جديدة ومفيدة فى نفس الوقت .
رد يوسف :
انت مش عمك صالح قالك انه هيجيبلك وظيفة فى الجمعية الزراعية وأنا شايف انها فرصة ممتازة مش لازم تضيعها لانها وظيفة حكومية ثابتة ومرتبها مش بطال.
رد كمال بضيق :
مش دي أحلامي خالص ، أنا نفسي أطبق اللي درسته فى الكلية على أرض الواقع علشان افيد المجتمع وما يكونش العلم اللي انا درسته حبيس الكتب والمراجع فقط علشان أقدر أغير القرية والمجتمع اللي أنا عايش فيهم .
رد يوسف بسرعة متعجبا :
تغير القرية؟ يا راجل، إحنا مش لاقيين نغير لمبة الجامع!”
لكن كمال لم يضحك.
كان ذهنه يعمل بشكل مختلف.
قال بصوت هادئ لكنه ثابت:
أنا هأستخير ربنا وعايز أبدأ مشروع دواجن صغير في الأول، وإن شاء الله يكبر مع الوقت.”
يوسف هز رأسه ساخرًا:
أنت ما تملكش فى حياتك الا ورثك من ابوك تفتكر بـ200 جنيه تقدر تعمل مشروع؟ ده إحنا لو اشترينا فراخ للغدا بس الفلوس هتخلص!
ضحك كمال، ثم قال:
عشان كده لازم شركاء… عشرة شركاء.” أنا حسبتها كويس
يوسف توقف عن السخرية، لأن كمال كان يتكلم بجدية مخيفة… جدية رجل يرى طريقًا لا يراه غيره.
البحث عن العشرة
بدأ كمال رحلته.
طرق أبواب أهل القرية… بيتًا وراء بيت.
شرح الفكرة، قدّم خطة بسيطة، واستعمل كل ما يملكه من إقناع وإصرار.
وافق بعضهم… تردد البعض… وسخر البعض الآخر علنًا.
ومع نهاية الأسبوع، استطاع جمع تسعة شركاء فقط.
كانوا متفاوتين في العمر والطباع:
- عم فهيم: شيخ كبير ذو خبرة لكنه متشائم.
- عبدالحليم: شاب متحمس.
- مصطفى: تاجر بسيط لكنه قَلِق بطبيعته.
- يوسف: صديق كمال وشريكه الأول في الفكرة.
وأربعة آخرون من شباب القرية.
اجتمعوا في بيت كمال لأول مرة، وجلسوا في حلقة تُحيط بها مصابيح الكيروسين القديمة.
قال عم فهيم:
كمّلنا تسعة… ونبدأ بكرة.”
لكن كمال فاجأ الجميع:
لأ… لازم نكمل عشرة.”
سأل أحدهم بتوتر:
ليه عشرة بالذات؟”
رد كمال :
مشروع كبير محتاج عشرة… ده اللي في دماغي حسب الدراسة اللي عملتها”
يوسف تدخل وقال بنفاد صبر:
يا كمال خلّص… إنت هتضيع الفرصة!”
ساد صمت طويل.
كل الأنظار اتجهت إليه.
ثم قال كمال جملته التي ستغيّر حياة كل من في الغرفة:
الشريك العاشر… هيكون الله سبحانه وتعالى.”
اندهش البعض، خاف البعض، وضحك البعض الآخر بارتباك.
كمال أكمل:
هنخصص جزء ثابت من الربح … للأعمال الخيرية.
ده حق شريكنا الأعظم.”
كانت كلمات بسيطة… لكن وقعها على النفوس كان كأنه حجر سقط في ماء راكد.
نقاش طويل دار بينهم: اعتراض، خوف، تساؤلات…
حتى قال عم فهيم بعد صمت:
لو نويت تبدأ بطاعة ربنا ، ربنا هيفتحها علينا إن شاء الله . أنا موافق.”
وتبعه الآخرون بالموافقة … واحدًا تلو الآخر.
بدأت القصة.
البداية في المخزن الطيني
عندما جمع كمال هِدية شركاءه التسعة، كانوا يتصورون أن البداية ستكون بسيطة ومباشرة: شراء كتاكيت، تربية، بيع… وانتهى الموضوع.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
اختار كمال مخزنًا طينيًا قديمًا على أطراف القرية، كان مسقوفًا بجريد نخل متآكل، ورياح الشتاء كانت تمر من بين شقوقه.
وقف الشركاء ينظرون إليه في ذهول.
يوسف قال ضاحكًا:
ده مش مشروع دواجن… ده مشروع صبرومعاناة !
لكن كمال كان يرى ما لا يراه الآخرون.
كان يرى المستقبل في هذا المبنى المتهالك.
بدأوا في تنظيف المكان بأنفسهم:
رفعوا التراب، ردموا الشقوق، أصلحوا السقف، وضعوا أرضية من الخشب، ثم ركبوا لمبات صغيرة بالكاد تنير المكان.
وفي النهاية… كتب كمال على باب المخزن:
((الشريك العاشر حاضر))
أول دفعة كتاكيت
اشترى كمال أول دفعة 200 كتكوت فقط.
رقم صغير جدًا… لكنه كان حجم رأس المال المتاح.
تعاملوا مع الأمر بجدية:
- قسموا العمل ساعات.
- واحد مسؤول عن العلف.
- واحد عن النظافة.
- واحد عن المتابعة الطبية.
لكن المشاكل بدأت منذ اليوم الأول:
● المشكلة الأولى: البرد القاتل
كان الشتاء قاسيًا، والكتاكيت الصغيرة لا تحتمل البرودة.
استعاروا دفايات قديمة، صنعوا دفاية بدائية من صفائح، وأحيانًا كانوا يبيتون في المزرعة لإشعال النار عند الفجر.
كانت الليالي تمتحن صبرهم.
● المشكلة الثانية: نقص العلف
سعر العلف ارتفع فجأة.
اضطر كمال لزيارة تجار العلف واحدًا ورا الثاني، حتى وافق أحدهم بعد حوار طويل على البيع بالاجل.
قال كمال للشركاء:
ده مش دين… ده رزق جاي ماشي على رجليه.”
● المشكلة الثالثة: العدوى المفاجئة
بعد أسبوعين، انتشر مرض في القطيع.
بدأت الكتاكيت تموت واحدة تلو الأخرى.
في تلك اللحظة وقف الشركاء في صمت قاتل…
كان من المتوقع أن ينهار المشروع.
لكن كمال نظر إليهم وقال:
مش هننهار… هنكمّل وبأذن الله الأرباح هنطلعها لله… مهما حصل.”
كانت لحظة إيمان… أكثر منها لحظة تجارة.
بعد ثلاثة أيام… توقفت العدوى بطريقة غير مفهومة للأطباء.
أول مكسب… وأول دهشة
عندما بيع أول إنتاج للمزرعة، كانت النتيجة :
كان المشروع قد غطى تكاليفه بالكاد مع نسبة ربح ضئيلة
استلم كمال الأموال، قسم الأرباح، ثم وضع الجزء الخاص بالشريك العاشر جانبًا دون أن يهتز.
قال يوسف بدهشة:
ربح ضعيف زي ده ! طب ليه نستقطع منه علشان نطلع نصيب ربنا احنا ممكن نكتفي ونعمل وجبات للفقراء وخلاص ؟ وده هيتكلف مبلغ بسيط أحسن من نسبة ال10% الكبيرة دي
رد كمال مبتسمًا:
لو نقضنا عهدنا مع ربنا … ربنا هينقص رزقنا ، وهيتخلى عنا وتذكر دايما ان الكتاكيت كلها كان ممكن تموت فى لحظة والمشروع ينهار لولا عناية الله ولطفه .
ومن هنا… بدأت البركة تظهر.
التوسع الأول: من مخزن إلى مزرعة حقيقية
بعد عدة دورات إنتاج ناجحة وبفضل الله اولا وأخيرا وبعد تحديات كبيرة ، قرر كمال نقل المشروع إلى مستوى جديد.
استأجر قطعة أرض أكبر، ثم بنى عليها عنبر دواجن حديثة.
لم تكن فاخرة، لكنها كانت أفضل من المخزن مئة مرة.
● مضاعفة الإنتاج
ارتفع عدد الكتاكيت من 200 إلى 5000 في الدورة الواحدة.
● شراكة جديدة
بدأ أهالي القرية يتوافدون للمشاركة.
أصبح المشروع “حديث القرية”.
● ظهور المنافسين
تجار من القرى المجاورة حاولوا تقليده ولكنهم لم يفلحوا
لانهم لم يفهموا سر نجاحه:
نصيب ربنا قبل نصيب الشركاء .
أزمة كبرى… كانت بداية نقلة أعظم
مع التوسع… ظهرت مشكلة خطيرة:
تجار الدواجن الكبار فى السوق يريدوا ان يشتروا انتاج المزرعة بأسعار متدنية وفى نفس الوقت انتاج المزرعة كبير ولابد من بيع كل الدواجن كلها عند نهاية الدورة لكي يستطيعوا بدأ دورة انتاج جديدة ولا يوجد مكان لذبح الدواجن وتجميدها وحفظها بطريقة صحية منظمة.
وكان الاعتماد على المجازر البدائية يؤدي لخسائر ضخمة.
اقترح يوسف:
نبيع الفراخ حية وخلاص ونحاول نتفاوض مع التجار الكبار فى السعر وممكن نوصل لسعر معقول معاهم .
لكن كمال رفض تمامًا وقال:
اللي عايز يكبر… لازم يصنع ، ولن نقبل باستغلال التجار .
فقرر كمال بناء أول مجزر نصف آلي في المنطقة.
كان قرارًا مرعبًا، لأن تكلفته أكبر من تحملهم والمخاطرة عالية .
بعض الشركاء اعترضوا، بعضهم انسحب…
لكن كمال قال جملة غيرت كل شيء:
لو المشروع هيخدم الناس… ربنا هيفتح أبواب جديدة. بالأضافة اننا اخدنا بالاسباب ودراسة الجدوى تؤكد باذن الله نجاح المشروع .
وبالفعل:
بعد أشهر من العمل، افتُتح المجزر.
وحقق أرباحًا غطت تكلفته مضاعفة خلال أول عامين.
التوسع الثاني: مصنع التجميد
بنجاح المجزر، ظهرت مشكلة أخرى:
زيادة الإنتاج عن قدرة السوق المحلي.
وكان الحل الذي اقترحه كمال مفاجئًا للجميع:
نعمل مصنع لتجميد الدواجن ونبيع فراخ مجمدة فى السوق المحلي واللي يفيض ندخل بيه عالم التصدير.”
كان المشروع ضخمًا جدًا.
لكن كمال لم يكن يرى الخوف… كان يرى الفرصة.
● إنشاء المصنع
تم بناء مصنع صغير في البداية:
- غرفة تجميد
- خطوط تغليف
- وحدات حفظ
- شاحنات نقل مبردة
ثم جاءت أول صفقة تصدير إلى إحدى الدول العربية.
كانت لحظة تاريخية…
بكّت فيها أمه من الفرحة.
التوسع الثالث: من الدواجن… إلى الزراعة
بعد نجاح تصدير الدواجن، ظهرت شبكة علاقات كبيرة للمشروع.
بدأت شركات أجنبية تطلب منتجات زراعية مجمدة أيضًا.
وفي اجتماع للشركاء قال كمال:
ليه نكتفي بالدواجن؟ إحنا قرية زراعية… نقدر نعمل أكتر من كده مية مرة .
وتم إنشاء مصنع لتجميد المحاصيل الزراعية:
- بسلة
- فاصوليا
- ملوخية
- خرشوف
- سلة كاملة من منتجات القرية
ثم بدأوا تصديرها لدول الخليج… ثم أوروبا.
وبذلك… تحول مشروع كمال من:
مخزن دواجن ثم مزرعة ثم مجزر ثم مصنع دواجن مجمدة ثم مصنع محاصيل مجمدة ثم شبكة تصدير عالمية
كل هذا… خرج من “200 جنيه” والاهم هو ((الشريك العاشر))
أثر المشروع على القرية
● القضاء على البطالة
أصبح كل بيت تقريبًا يعمل جزء منه في السلسلة الإنتاجية.
● نهضة اقتصادية غير مسبوقة
زادت دخول الناس، تحسنت البيوت، وتعلم الأطفال.
● تحويل القرية إلى مركز تجاري
أصبحت شاحنات التصدير تدخل وتخرج يوميًا من القرية.
أصبح اسم منتجات ((قرية السوالم )) يتردد فى بلاد كثيرة حول العالم بل اصبح ماركة مسجلة تم تسجيلها قانونيا لتصبح علامة تجارية شهيرة تشمل منتجات غذائية كبيرة جدا .
نجاح… ثم نجاح… ثم قرار غريب
وكان الناس في القرية يتساءلون:
“إيه سر البركة مع كمال هِدية؟
وزادت أرباح الشركاء عامًا بعد عام.
لكن في أحد الاجتماعات قال كمال:
أنا عايز أزود نسبة الشريك العاشر.
عم فهيم انتفض:
تزود؟ ده إحنا أصلًا زودنا النسبة عدة مرات قبل كده ده احنا بنطلع أكثر من تلت الربح!”
كمال:
وماله نخليها نص الربح أو حتى أكتر
يوسف صرخ:
كمال انت مجنون؟
كان الاجتماع على وشك الانفجار…
لكن كمال لم يهتز.
تبدلت ملامح كمال الى الجدية والصرامة وقال بصوت حازم :
الخير اللي بنشوفه مش من شطارتنا ابدااااااااااا ، ده كله من كرمه سبحانه وتعالى ولو مش مصدقين شوفوا المشاريع المشابهة لينا وصلت لفين واحنا بقينا فينا ، احنا اضخم منهم مية مرة اوعوا تكونوا فاكرين إن كل اللي احنا فيه ده من شطارتنا ، وضرب بيده على المنضدة بقوة وقال ابدا والله ابدا واشار لهم باصبعه السبابة باشارة تحذيرية وانتم عارفين كده كويس .
وبعد أيام من التفكير والنقاش والمجادلات … اتفقوا.
كبر المشروع أكثر… وغرقت القرية في خير لم تشهده منذ سنين طويلة .
ثم قال كمال يومًا:
ثلثين… لله
وهنا تغير كل شيء.
القرية تتحول
بدأت عجلة التغيير تدور:
● القضاء على البطالة
كمال كان يرفض رؤية أي شاب عاطل.
إن لم يجد له وظيفة… أعطاه قرضًا حسنًا ليبدأ مشروعه.
وقريبًا، أُعلن بين أهل القرية:
"قرية السوالم … قرية بلا بطالة."
● المعاهد الأزهرية
بنى كمال مع شركائه مدارس ومعاهد أزهرية لكل المراحل، حتى لم يعد في القرية طفل بلا تعليم.
● مصنع الملابس
تحوّل مخزن قديم إلى مصنع ضخم لانتاج الملابس الجاهزة تحت الماركة المسجلة ( السوالم ) يعمل فيه الاف الشباب والفتيات.
● الخدمات العامة
جامع، مستوصف، دار أيتام، دار مسنيين ، مركز تحفيظ قران
كلها مشاريع ظهرت كأنها تُزرع من نور.
لكن الحلم الأكبر كان قادمًا…
قرار يهز القرية
جلس كمال في إحدى الأمسيات، وقال للشركاء:
احنا محتاجين جامعة الأزهر هنا. فى القرية
ضحك يوسف حتى دمعت عيناه:
يا كمال… إحنا فين والجامعة فين؟!
كمال لم يبتسم وقال :
نقدر… لو نويّنا.
وبعد أشهر، كان القرار قد اتخذ:
تكفّل كمال بالتبرع بأرض كبيرة 25 فدانًا وبناء مجمع كليات الأزهر كاملًا.
أصبحت القرية الصغيرة مدينة علم.
الجانب المجهول من كمال
رغم كل هذا…
كمال كان يعيش حياة بسيطة جدًا.
ثياب عادية.
منزل متواضع.
لا سيارة فارهة.
ولا صورة له في افتتاح… لأنه كان يهرب من الكاميرات.
كان يقول دائمًا:
لو الناس عرفت… الأجر بتاعي هيضيع .
بل إن بعض أهل القرية لم يعرفوا شكل الرجل الذي غيّر حياتهم إلا يوم وفاته.
الصراع الأخير
في العام الأخير قبل رحيله وكان فى العقد السابع من عمره ، تعرض كمال لضغط كبير من بعض الشركاء الجدد الذين لم يعيشوا البدايات.
قال أحدهم بحدة:
يا حاج كمال… ليه ندي نسبة ثلثين من الربح؟! ده مشروع استثماري مش مسجد ولا جمعية خيرية
كمال رد بهدوء:
يا بني لولا الشريك العاشر… كنا كلنا دلوقتي بنعدّ الخسائر.
لكن الرجل أصرّ على تقليل النسبة.
اجتمع الشركاء… اشتد النقاش… وارتفع الصوت.
وفي لحظة صمت ثقيلة، قال كمال بهدوء عجيب على غير عادته :
اللي شايف إن الخيرالكتير ده قليل عليه… ممكن ينسحب.
بالفعل انسحب اثنان.
لكن العجيب أنه في الشهور التالية… حقق المشروع أعلى أرباح في تاريخه.
حتى اعترف أحد المنسحبين بأسى لاحقًا:
انا خسرت فرصة عمري … أكبر قرار غلط خدته في حياتي أني سيبت الراجل ده.
النهاية… التي كانت بداية
في صباح شتوي من عام 2016، رحل كمال هِدية في هدوء بعد معاناة قصيرة مع المرض
لم يرزق الله كمال بالذرية ولكنه زرع حبه فى قلوب الاف من ابناء القرية والعاملين فى مشاريعه وأصبحوا هم ابنائه وبناته الذي لم ينجبهم .
لم تعلن وسائل الإعلام خبر وفاته ولم تغطي وقائع الجنازة ولكن ضخامة الجنازة والصدى الذي خلفه خبر وفاته أجبر وسائل الاعلام على تغطية الحدث والذي اصبح بعده كمال هدية مشهورا ولكن بعد وفاته .
عشرات الآلاف من ابناء القرية وأبناء مصر خرجوا كلهم لتشييعه فى مشهد مهيب … رجالًا ونساءً وأطفالًا.
لم يكن رجل أعمال فقط…
كان أبًا روحيًا لكثيرين.
بعد وفاته، اكتُشف أن هناك مئات الأسر الفقيرة من الارامل والمسنيين كانت تعيش من خيره الذي منحه اياه الله سبحانه وتعالى … دون أن يعرف أهل القرية.
وتحوّلت قصته إلى درس:
كيف يمكن لرجل واحد…
برأس مال صغير…
وإيمان كبير…
أن يغيّر مجتمعًا كاملًا.
أثر لا يموت
اليوم، حين تمر في قرية السوالم ، سترى:
كليات، معامل، معاهد، مصانع، مشروعات، ومستشفى…
كلها تحمل آثار رجل قرر أن يجعل الله شريكًا في تجارته.
قصة بدأت بـ200 جنيه…
وتسعة رجال…
وشريك عاشر لم يروه… لكنهم رأوا أثره في كل خطوة.
النهاية
