الحب كنزا لا يفنى

الحب كنزا لا يفنى

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

عنتر وعبله الحب المستحيل :

عنترة وعبلة: ملحمة الحب والفروسية في قلب الصحراء

تظل قصة حب عنترة وعبلة الرمز الأسمى في الوجدان العربي للوفاء والتضحية وتحدي المستحيل. هي ليست مجرد حكاية عاطفية بين رجل وامرأة، بل هي صراع إنساني مرير ضد الطبقية والظلم الاجتماعي، وقصة كفاح بطل استمد قوته من رقّة قلبه لينتزع اعتراف العالم به وبإنسانيته.

الجذور والبدايات: عشقٌ نبت في أرض المستحيل

وُلد عنترة بن شداد في قبيلة عبس لأب شريف وأم أمة حبشية تدعى "زبيبة"، مما جعله في عُرف الجاهلية "عبداً" لا يُعترف بنسبه، رغم كونه ابن أحد سادة القبيلة. في هذا الجو المشحون بالتمييز، تفتحت عينا عنترة على ابنة عمه "عبلة بنت مالك"، التي كانت آية في الجمال والرفعة.

كان حب عنترة لعبلة هو المحرك الأساسي لشخصيته؛ فلم يكن يسعى للبطولة والمجد لذاتهما، بل كان يسعى ليثبت لعمه وللقبيلة أنه جدير بها، وأن نبل الروح والفروسية يطغى على لون البشرة أو وضع النسب.

الصراع من أجل الحرية: مهرٌ خلف البحار والقفار

لم يكن طريق الحب مفروشاً بالورود، بل كان محفوفاً بالسيوف والمكايد. رفض "مالك بن قراد" تزويج ابنته لعنترة، بل وذهب أبعد من ذلك بمحاولة التخلص منه عبر طلب مهر تعجيزي. طلب مالك "ألف ناقة من عصافير الملك النعمان"، وهي نوق نادرة لا يملكها إلا ملك الحيرة، وكان الحصول عليها يعني الموت المحتم.

انطلق عنترة في رحلة أسطورية، واجه خلالها الأسر والقتال، لكنه لم يتراجع. عاد بالألف ناقة ليضع عمه في مأزق أخلاقي أمام القبيلة، مُثبتاً أن الإرادة التي يحركها الحب لا تعرف المستحيل.

فلسفة الفروسية في شعر عنترة

ما يميز قصة عنترة هو شعره الذي خلد هذه التجربة. ففي معلقته الشهيرة، نجد تلاحماً غريباً بين القسوة والرقة. يصف عنترة المعارك الطاحنة والدماء، ثم ينتقل فجأة لذكر عبلة، وكأن طيفها هو الملاذ الذي يمنحه السلام وسط الموت.

يقول في أحد أشهر أبياته:

> وَلَقَد ذَكَرتُكِ وَالرِماحُ نَواهِلٌ مِنّي .. وَبيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي

> فَوَدَدتُ تَقليلَ السُيوفِ لأَنَّها .. لَمَعَت كَبـارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ

هذا البيت يختصر فلسفة الحب عند عنترة؛ حيث يرى بريق السيوف التي تكاد تقتله كأنه بريق ابتسامة عبلة، محولاً لحظة الألم إلى لحظة وجد صوفية.

التحديات الاجتماعية والنهاية المفتوحة

واجه الحب ضغوطاً من داخل القبيلة ومن خارجها، حيث تقدم لخطبتها فرسان وأشراف، وكان عنترة يذود عنها ليس فقط بسيفه، بل بوفائه المنقطع النظير. ورغم أن السير الشعبية تبالغ في تفاصيل زواجهما لاحقاً، إلا أن المؤرخين يميلون إلى أن القصة انتهت بنوع من التراجيديا أو البقاء على العهد دون وصال كامل في بعض الروايات، مما زاد من قدسية هذه العلاقة في التراث.

image about الحب كنزا لا يفنى

لماذا نذكر عنترة وعبلة اليوم؟

إن قصة عنترة وعبلة هي درس في بناء الذات. لقد حول عنترة "الرفض" إلى "دافع"، و"العبودية" إلى "سيادة" بفضل صدق عاطفته. ستبقى هذه القصة تذكرنا بأن الحب الحقيقي هو الذي يصنع من الإنسان نسخة أفضل من نفسه، وأنه القوة الوحيدة القادرة على تحطيم قيود الجهل والظلم .

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
ALBRNS Abdo تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.