فرح لم يكتمل في صحراء الكويت
عرس لم يكتمل.
“إحنا غلطنا لما قبلنا الفرح ده… بس كان فات الأوان.”
كانت هذه آخر جملة مسجلة في رسالة صوتية أُرسلت من هاتف إحدى الفتيات قبل أن ينقطع الاتصال تمامًا.
في الكويت، كانت أربع فتيات يعملن في الغناء الشعبي، يحيين الأفراح النسائية في القاعات الخاصة. في إحدى الليالي، وصلتهن رسالة قصيرة من رقم مجهول:
فرح خاص – أجر مغرٍ – سرية تامة.
العنوان كان في منطقة صحراوية بعيدة عن المدينة، لكن المبلغ المحوَّل مسبقًا جعل الشك يتراجع.
في الطريق، اختفت شبكة الهاتف، والهواء صار أثقل. السائق، رجل بملامح جامدة، لم ينطق إلا بجملة واحدة:
“لما نوصّل… ما توقفوش الغُنا.”
وصلن إلى قاعة ضخمة مضاءة بشكل مبالغ فيه، لكن بلا موسيقى ولا أصوات. النساء الجالسات كن يرتدين عباءات سوداء، لا تتحركن، لا يتحدثن. شعور غريب تسلل إلى قلوب الفتيات، لكن الوقت كان قد تأخر على التراجع.
بدأ الغناء.
من أول مقطع، تغيّر كل شيء. الكلمات خرجت من أفواههن ببطء غير معتاد، وكأن الأغنية أقدم من أن تُغنّى. إحدى الفتيات لاحظت أن صدى الصوت لا يعود من الجدران… بل من تحت الأرض.
نظرت إلى العروس، فلاحظت أن قدميها غير موجودتين، وكأنها معلّقة في الهواء. حاولت التوقف، لكن صوتها استمر رغمًا عنها.
فجأة، بدأت النساء الجالسات يرددن معهن، بأصوات متداخلة، غير بشرية. اقتربت إحداهن من فتاة سقطت أرضًا، وأمالت رأسها بزاوية مستحيلة وهمست:
“إحنا اللي بنغني هنا من زمان… وإنتوا صوتنا الجديد.”
انطفأت الأنوار.
عندما عاد الضوء، كانت القاعة شبه فارغة. ثلاث فتيات فقط بقين، أما الرابعة فاختفت. على الأرض، وُجدت عباءتها… بلا أثر لجسدها.
هربن مع أول ضوء للفجر.
ومنذ تلك الليلة، لم تعد أصواتهن كما كانت. أثناء الغناء في أفراح عادية، تسمع كل واحدة منهن صوتًا ثانيًا يخرج معها… أعمق، أبطأ.
وفي كل مرة يصلن إلى مقطع معين، تنطفئ الأنوار لثانية واحدة.
ثانية كافية…
لتتذكّرن أن هناك فرحًا في الصحراء لم يكتمل بعد.

بعد مرور أسابيع على تلك الليلة، حاولت الفتيات الثلاث العودة إلى حياتهن الطبيعية، لكن الأمر كان مستحيلًا. لم يكن الاختفاء هو الشيء الوحيد الذي ترك أثره، بل الإحساس الدائم بأن هناك من يراقبهن. في بعض الليالي، كانت إحداهن تستيقظ على صوت غناء خافت، نفس اللحن الذي غنينه في ذلك الفرح الغامض، وكأنه يخرج من الجدران.
حاولن إبلاغ الشرطة، لكن لم يجدن دليلاً واحدًا. لا قاعة، لا طريق، ولا سجل لحفل زفاف في ذلك المكان. حتى رقم الهاتف الذي تواصل معهن اختفى تمامًا، وكأنه لم يوجد من الأساس.
إحداهن قررت الاعتزال نهائيًا، بعدما فقدت صوتها فجأة أثناء أحد الأفراح. أخرى كانت تقسم أنها ترى في المرآة ظل فتاة تقف خلفها، بلا ملامح، تبتسم ابتسامة باهتة. أما الثالثة، فكانت تشعر أن هناك من يهمس لها كلما حاولت الغناء وحدها:
“الدور الجاي… عليكِ.”
ومع مرور الوقت، أدركن حقيقة مرعبة…
أن ما حدث لم يكن خطأ عابرًا، بل اختيارًا.
وأن الفرح الذي دخلوه بإرادتهم، ما زال مفتوحًا…
ينتظر أصواتًا جديدة.