همسات خلف الباب المغلق

همسات خلف الباب المغلق
لم أكن أؤمن بالقصص التي تُحكى عن البيوت القديمة، كنت أعتبرها مجرد خرافات يختلقها الناس ليجعلوا حياتهم أكثر إثارة. لكن بعد انتقالنا إلى ذلك المنزل العتيق في نهاية الشارع، بدأت قناعاتي تتغير شيئًا فشيئًا.
كان المنزل واسعًا، بسقف مرتفع ونوافذ طويلة تسمح بدخول ضوء الشمس نهارًا، لكنه في الليل يتحول إلى كتلة من الظلال الثقيلة. أكثر ما لفت انتباهي منذ اليوم الأول هو باب خشبي في نهاية الممر العلوي. كان مختلفًا عن باقي الأبواب؛ لونه أغمق، ومقبضه بارد بشكل غريب حتى في أشد أيام الصيف حرارة.
سألت والدي عنه، فقال إن المالك السابق نصحه بعدم استخدامه لأنه مجرد مخزن قديم، وأن المفتاح ضاع منذ سنوات. لم أهتم في البداية، لكن في الليلة الثالثة، بينما كنت مستلقيًا على سريري، سمعت صوتًا خافتًا… كأن أحدهم يهمس بكلمات غير مفهومة.
جلست معتدلًا، أرهفت السمع، لكن الصوت اختفى. أقنعت نفسي أنه صوت الرياح. غير أن الهمسات عادت في الليلة التالية، أوضح من قبل، وكأنها تصدر من نهاية الممر… من خلف ذلك الباب تحديدًا.
بدأ الفضول يسيطر عليّ. في إحدى الليالي، قررت أن أتحقق. خرجت من غرفتي ببطء، والممر مظلم إلا من ضوء خافت يتسلل من نافذة صغيرة. كل خطوة كنت أخطوها كانت تصدر صريرًا خفيفًا من الأرضية الخشبية. عندما اقتربت من الباب، شعرت ببرودة تسري في جسدي، كأن الهواء حوله أثقل من بقية المكان.
وضعت أذني على الخشب. في البداية لم أسمع شيئًا، ثم… جاء الهمس مجددًا. كلمات متقطعة، كأن شخصًا يتحدث من مسافة بعيدة جدًا. لم أفهم ما يقال، لكن النبرة كانت حزينة… ومليئة برجاء غامض.
في اليوم التالي، حاولت إقناع نفسي أن كل ذلك من نسج خيالي، لكن الأمور بدأت تزداد غرابة. أشياء صغيرة تختفي من غرفتي ثم تظهر أمام الباب المغلق. ظلال تتحرك بسرعة خارج زاوية نظري. وأحيانًا، عندما أستيقظ منتصف الليل، أجد باب غرفتي مفتوحًا رغم أنني متأكد أنني أغلقته.
بلغ التوتر ذروته في ليلة عاصفة. انقطعت الكهرباء، وغرق المنزل في ظلام دامس. كنت جالسًا في غرفتي عندما سمعت صوت طرق قوي… ثلاث طرقات متتالية، صادرة من نهاية الممر. لم يكن همسًا هذه المرة، بل طرق واضح، كأن أحدهم يريد الخروج.
خرجت رغم خوفي. الممر كان أشبه بنفق طويل بلا نهاية. وعندما وصلت إلى الباب، لاحظت شيئًا لم أره من قبل: المفتاح كان معلقًا في القفل من الداخل، وكأن أحدهم وضعه هناك للتو.
ترددت طويلًا، لكنني أدرت المفتاح ببطء. أصدر الباب صريرًا عميقًا وهو يُفتح، كأنه يتنفس بعد سنوات من الصمت. كانت الغرفة فارغة… لا أثاث، لا نوافذ، فقط جدران عارية وأرضية مغبرة.
شعرت بالارتياح للحظة، ظننت أن كل شيء كان وهمًا. لكن عندما هممت بالخروج، سمعت الصوت خلفي مباشرة، واضحًا هذه المرة:
“أخيرًا…”
تجمدت في مكاني. لم يكن هناك أحد. ومع ذلك، شعرت بشيء يمر بجانبي، كنسمة باردة تخترقني. في تلك اللحظة أدركت أن الباب لم يكن يحبس شيئًا في الداخل… بل كان يمنعه من الخروج.
ومنذ تلك الليلة، اختفت الهمسات. عاد المنزل هادئًا كما كان. لكن أحيانًا، عندما أنظر في المرآة، أشعر أن هناك ظلًا يقف خلفي… يبتسم بهدوء، وكأنه ينتظر بابًا آخر ليُفتح.،