خارج أضواء العاصمة: عبد اللطيف النشار عبقرية "الظل" السكندرية
خارج أضواء العاصمة: عبد اللطيف النشار عبقرية "الظل" السكندرية

المقدمة
نادراً ما يمنح التاريخ الأدبي الإنصاف الكامل للمبدعين في حياتهم، خاصة أولئك الذين آثروا الانزواء بعيداً عن صخب المراكز الثقافية الكبرى. "عبد اللطيف النشار"، الأديب والمترجم والشاعر السكندري، يمثل حالة استثنائية لمبدع امتلك أدوات العمالقة وعاصر جيل الرواد كالعقاد وطه حسين، لكنه اختار أن يظل مخلصاً لعروس البحر المتوسط، بعيداً عن أضواء القاهرة التي تحتكر الشهرة. تستعرض هذه المقالة سيرة هذا الأديب المتعدد المواهب، محاولةً سبر أغوار شخصيته الفريدة وتحليل الأسباب التي جعلت إنتاجه الغزير يظل حبيس "الظل" لعقود طويلة.
عاش عبد اللطيف النشار حياته الطويلة بعيداً عن بريق الأضواء، لا لنقص في موهبته الأصيلة أو شح في إنتاجه، فقد كان شاعراً موهوباً ومترجماً قديراً ومحدثاً بارعاً، تميز بقدرة فائقة على تحويل روائع الشعر الإنجليزي إلى لغة عربية رصينة بيسر وسهولة. ورغم نشره المستمر في كبريات المجلات الأدبية مثل (الرسالة) و(الثقافة) جنباً إلى جنب مع كبار جيله كالعقاد والرافعي، إلا أن اسمه لم ينل الزخم الذي حظي به أقرانه، وظل صيته محصوراً في دائرة مثقفي الإسكندرية وصحفها المحلية.
تبرز عدة أسباب وراء هذا الغياب الإعلامي، أهمها إخلاصه الشديد لمسقط رأسه الإسكندرية وإصراره على الإقامة الدائمة فيها، رافضاً الانتقال إلى العاصمة حيث تتركز مفاتيح الشهرة والمجد، ولم يرحل إلى القاهرة إلا في سنواته الأخيرة. كما لعبت شخصيته الخجولة والمنطوية دوراً كبيراً في ذلك؛ إذ كان يؤثر العزلة ولا يتقن فنون الدعاية لنفسه أو استغلال العلاقات الشخصية لترويج إنتاجه، مفضلاً التركيز على العمل الأدبي الخالص بعيداً عن ضجيج المنابر.
تميز النشار بتواضع يشبه "تواضع النحلة" التي تفرز العسل دون انتظار ثناء، فكان يعمل بجد وإصرار حتى بعد تجاوزه السابعة والسبعين. عُرف بشغفه المفرط بالقراءة واقتناء الكتب، لدرجة أنه في شبابه استبدل "مهر عروسه" بتل كبير من الكتب اشتراها وحملها على عربة يجرها حمار. كان يتابع الصحف العالمية ويملأ جيوبه بالأقلام والكتب، متحمساً كل يوم لفكرة جديدة، ومعتداً بموهبته في صمت، معتقداً دوماً أنه لم يقل بعد الكلمة النهائية التي تستحق الخلود.
جمعت شخصية النشار بين روح "المكافح" وسمات "الصوفي"، وهو ما صوره الأديب يحيى حقي ببراعة حين وصفه بالرجل الذي تعبر ملامحه عن "عطش أليم" لا يرويه ماء الأرض، وكأن حياته رحلة مستمرة خلف غاية هاربة. كان يجمع بين قمة الود وقمة النفور نتيجة حساسية مفرطة، يقنع بإنشاد شعره الجديد في أي منتدى أو حتى أمام زملائه في المحكمة، غير مبالٍ بالأجر المادي أو الشهرة، مما جعل بعض المجلات تستغل هذا التواضع وتبخس حقه المادي والمعنوي.
المثير للدهشة في مسيرة النشار هو تمكنه اللغوي الهائل؛ فبالرغم من عدم حصوله إلا على الشهادة الابتدائية، إلا أنه أتقن الإنجليزية والترجمة في سن مبكرة نتيجة دراسته في ظل الاحتلال البريطاني، وتفوق في فهم الأدبين العربي والإنجليزي بصورة أذهلت الأكاديميين. وقد عكست قصائده روحاً بوهيمية محببة، خاصة بعد وفاة شريكة حياته ورحلته إلى لندن، حيث عبر في شعره عن فلسفته في الحياة وقدرته على استيعاب أسرارها وتجاوز محن الشيخوخة بابتسامة ساخرة.
تجلت روحه الساخرة في قصيدته الشهيرة "يا مرحباً بالعرج"، التي كتبها بعد إصابته في حادث أدى لاختلال مشيته، حيث استقبل العاهة بروح مرحة مشبهاً نفسه بعظماء التاريخ والأدب الذين أصيبوا بالعرج مثل "تيمور لنك" و"المازني" و"بيرون". هذه القدرة على تحويل الألم الشخصي إلى مادة أدبية طريفة تعكس صلابة نفسية وعمقاً فلسفياً نادراً، جعلته ينظر إلى تبدل الأحوال الجسدية كأمر هين ما دام العقل متمتعاً بصحته ونشاطه.
كان النشار "يغرف من بحر" في شاعريته، فلم تخلُ مناسبة وطنية أو وجدانية من قصيد له، وجمع ديوانه الضخم نماذج ممتازة من شعر الغزل والرثاء والمداعبات الساخرة، إضافة إلى وصف طبيعة الإسكندرية الساحرة. وبالرغم من ضخامة ديوانه المنشور (440 صفحة)، إلا أنه لا يضم كل نتاجه، إذ لا تزال العديد من قصائده، ومنها ملحمة "جهنم" التي عارض فيها المعري ودانتي، موزعة بين المجلات القديمة وصدور الحافظين من محبيه.
لم تقتصر عبقرية النشار على الشعر، بل كان مترجماً موسوعياً نقل إلى العربية 25 رواية من عيون الأدب العالمي، منها (الأبله) لدستويفسكي و(أنا كارنينا) لتولستوي، إضافة إلى ترجمته لرباعيات الخيام وديوان "زين النساء". إن هذا التراث الضخم من المقالات والدراسات والترجمات يمثل حلقة مفقودة وهامة في تاريخ الأدب العربي الحديث، تستحق أن تُجمع وتُدرس بإنصاف لرد الاعتبار لهذا "العميد" الذي عاش ومات مخلصاً لفنه ومكانه.
الخاتمة:
يظل عبد اللطيف النشار نموذجاً للمبدع الحقيقي الذي يجد مكافأته في ذات العمل الأدبي لا في صدى الجماهير. إن خروجه من دائرة الضوء لم يكن لضعف في الأداء، بل كان ضريبة اختيارية دفعها مقابل استقلاله المكاني والروحي. إن صدور ديوانه بعد وفاته بسنوات هو خطوة أولى نحو الوفاء لذكراه، وتذكير بأن الجهد الأصيل لا بد أن يرى النور يوماً، مهما طال أمد احتجابه خلف جدران التواضع أو أسوار العزلة الإقليمية.
التوصيات:
جمع التراث المبعثر: ضرورة قيام الهيئات الثقافية (مثل الهيئة العامة للكتاب) بجمع مقالات النشار الموزعة في صحف "البصير" و"السفير" ونشرها في مجلدات تليق بمكانته.
إعادة قراءة الترجمات: تشجيع الباحثين في كليات اللغات والترجمة على دراسة منهج النشار في ترجمة الروايات العالمية والشعر الإنجليزي، كونه ترجمها بروح أدبية فريدة.
تخليد ذكراه في الإسكندرية: إطلاق اسمه على أحد الميادين أو المراكز الثقافية الكبرى في مدينة الإسكندرية، تقديراً لكونه "عميد أدبائها" ورمزاً من رموزها الثقافية.
ندوات نقدية: تنظيم مؤتمرات نقدية تبحث في "ملحمة جهنم" وأعماله الشعرية الأخرى ومقارنتها بأعمال المعري ودانتي لإبراز قيمتها الفنية العالمية.
المرجع:
مجلة العربي الكويتية العدد رقم 278