همسات في الظلام

همسات في الظلام
لم أكن أؤمن بالأشباح يومًا. كنت أرى أن كل قصة رعب لها تفسير منطقي، وكل صوت غريب سببه الرياح أو الخيال. لكن ما حدث لي في تلك القرية الصغيرة غيّر كل شيء.
انتقلت إلى بيت قديم على أطراف القرية بعد أن حصلت على وظيفة مدرس هناك. كان البيت واسعًا، بجدران عالية متشققة، ونوافذ خشبية تصدر صريرًا مع كل نسمة هواء. أخبرني صاحب البيت أن المنزل ظل مغلقًا سنوات طويلة، لكنه لم يذكر السبب. لم أهتم كثيرًا، فقد كنت بحاجة إلى مكان هادئ أعيش فيه.
في الليلة الأولى، كان كل شيء طبيعيًا. سمعت صوت الرياح فقط، واعتدت على صرير الأبواب. لكن في الليلة الثانية، بينما كنت أحاول النوم، سمعت همسة خافتة بالقرب من أذني. فتحت عيني بسرعة، ولم أجد أحدًا. ظننت أنني كنت أحلم.
تكرر الصوت في الليالي التالية. همسات غير مفهومة، وكأن أحدًا يتحدث بلغة غريبة خلف الجدران. بدأت ألاحظ أشياء أخرى: باب الغرفة يُفتح ببطء رغم أنني أغلقته بإحكام، أشياء صغيرة تختفي من مكانها ثم تعود، وظل يمر سريعًا أمام باب المطبخ.
حاولت إقناع نفسي أنني أتوهم. ضغط العمل، الوحدة، والانتقال المفاجئ إلى بيئة جديدة ربما أثّروا عليّ. لكن في إحدى الليالي، استيقظت على صوت طرقات قوية على باب غرفتي. نظرت إلى الساعة، كانت الثالثة فجرًا. ساد الصمت بعدها مباشرة، صمت ثقيل يخنق الأنفاس.
تقدمت نحو الباب بخطوات مترددة وفتحته فجأة… لم يكن هناك أحد. الممر مظلم، لكنني شعرت بوجود شيء يراقبني. أغلقت الباب بسرعة وعدت إلى سريري، إلا أنني لاحظت شيئًا مرعبًا: آثار أقدام صغيرة على الأرض، كأن طفلًا سار من الباب حتى سريري.
في اليوم التالي، سألت أحد كبار السن في القرية عن تاريخ المنزل. صمت قليلًا ثم قال بصوت منخفض إن عائلة كانت تعيش هناك قبل سنوات، وإن طفلهم اختفى في ظروف غامضة داخل البيت، ولم يُعثر عليه أبدًا. بعد ذلك، تركت العائلة المنزل ورحلت.
بدأت أربط الأحداث ببعضها. الهمسات، آثار الأقدام، الظلال… هل يمكن أن يكون الطفل ما زال هنا؟ أو أن شيئًا آخر يسكن المكان؟
قررت أن أضع كاميرا في الممر لأسجل ما يحدث ليلًا. في الصباح، جلست أشاهد التسجيل، وقلبي ينبض بقوة. في الساعة الثالثة فجرًا، ظهر ظل صغير يقف أمام باب غرفتي. لم يكن واضح الملامح، لكنه كان يتحرك ببطء، ثم اختفى فجأة.
وفي نهاية التسجيل، ظهر مشهد جعل الدم يتجمد في عروقي: كنت أنا واقفًا في الممر، أحدق مباشرة في الكاميرا… بينما كنت متأكدًا أنني لم أغادر غرفتي تلك الليلة.
لم أستطع البقاء بعد ذلك. جمعت أمتعتي وغادرت المنزل قبل غروب الشمس. لكن منذ انتقلت إلى شقة جديدة في المدينة، بدأت أسمع الهمسات مجددًا… أخف من قبل، لكنها أقرب.
أحيانًا أستيقظ في الثالثة فجرًا، وأشعر بأنفاس باردة تلامس وجهي. وعندما أنظر إلى الأرض، أرى آثار أقدام صغيرة… تقف بجوار سريري.