طفيلي الذاكرة: ملامح مجهولة

طفيلي الذاكرة: ملامح مجهولة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about طفيلي الذاكرة: ملامح مجهولة

ملامح مجهوله

كان "مراد" يمتلك موهبة غريبة، لم تكن مجرد دقة في الرسم، بل كانت قدرة فذة على استخراج ملامح المفقودين من ثنايا ذاكرة ذويهم المشوشة. يعمل مراد كرسام جنائي مع الشرطة، لكنه في الآونة الأخيرة بدأ يشعر بشيء مريب. كانت يده اليمنى، اليد التي يمسك بها قلم الفحم، تشعر ببرودة غريبة، وكأن دماءً باردة تجري في عروقها، وكأنها لم تعد ملكاً له.

في ليلة عاصفة، دخلت عليه امرأة شاحبة تطلب رسم ابنها المفقود. بدأت تصف الملامح، وبدأ مراد يرسم. كانت عينا الصبي في الرسم تبدوان حيتين أكثر من اللازم، بريقاً غامضاً يلمع في بؤبؤ العين الأسود.

بمجرد أن وضع مراد اللمسة الأخيرة على "شامة" صغيرة بجانب أنف الصبي في الرسم، حدث شيء هز كيانه. نظرت المرأة إلى اللوحة، ثم نظرت إلى مراد بتعجب وقالت: "من هذا؟ ولماذا أنا هنا؟".

ظن مراد أنها صدمة عصبية، لكنه عندما راجع ملفات الشرطة في اليوم التالي، اكتشف أن سجلات الصبي المفقود قد "مُسحت". لم يكن هناك بلاغ، لم تكن هناك صور، حتى الجيران لم يتذكروا وجود طفل في ذلك المنزل قط.

لقد أصبح الصبي مجرد "حبر على ورق"، والوجود المادي له قد تبخر من الواقع بمجرد أن اكتملت صورته على ورق مراد.

بدأ مراد يراقب يده اليمنى في المرآة. لاحظ وجود خيوط سوداء دقيقة تحت جلده، تتحرك مثل الديدان كلما أمسك بالقلم. أدرك مراد أنه ليس رساماً، بل هو "محصدة". هناك كيان يعيش في بُعد آخر، يتغذى على "هوية" البشر، ويستخدم ريشة مراد كجسر لسحب الأرواح من عالم المادة إلى عالم النسيان.

حاول مراد التوقف عن الرسم، لكن يده بدأت تتمرد. في الليل، كانت يده تستيقظ وحدها، تمسك بالأقلام وترسم ملامح عشوائية لأشخاص يمرون في الشارع. وفي الصباح، يقرأ مراد في الصحف عن "حالات اختفاء غامضة" لأشخاص لم يتركوا خلفهم حتى اسماً في سجلات المواليد.

بلغ الرعب ذروته عندما بدأ مراد يفقد ملامحه هو الآخر في المرآة. لم يعد يرى وجهه بوضوح، كان يرى ضباباً يتصاعد من بشرته. أدرك أن الكيان الذي يسكن يده قد جاع، وأنه الآن يريد "المضيف".

تحت ضغط لا يقاوم، جلس مراد أمام لوحته. كانت يده ترتعش بشدة، لكنها بدأت ترسم. لم يكن يرسم وجهه الذي يعرفه، بل كان يرسم "الوجه الحقيقي" للكيان الذي بداخله. رسم عيوناً بلا جفون، وفماً يمتد من الأذن إلى الأذن مليئاً بأسنان تشبه أقلام الرسم المدببة.

مع كل خط يضعه على الورقة، كان مراد يشعر بجسده يفرغ. بدأ صوته يتلاشى، ثم تلاشت أطرافه. عندما وصل إلى رسم "القلب" في منتصف الصدر، شعر ببرودة الموت.

في تلك اللحظة، دخل ضابط الشرطة إلى مكتب مراد ليجده خالياً تماماً. لا توجد أوراق، لا توجد أقلام، ولا يوجد مراد. كان هناك فقط لوحة واحدة ضخمة معلقة على الحائط، تصور رجلاً يصرخ وهو يُسحب داخل ثقب أسود في منتصف الورقة.

نظر الضابط إلى اللوحة لثوانٍ، ثم هز رأسه ومسح جبينه وقال: "غريب.. كنت أظن أن هناك رساماً يعمل هنا، لكن يبدو أن هذا المكتب مهجور منذ سنوات".

على الطاولة، كان قلم الفحم وحيداً، يتحرك ببطء شديد ليرسم خطاً صغيراً، يبدأ به ملامح الضابط الذي يقف أمامه.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
medo777 صحفي تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

1

متابعهم

2

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.