الجزء الرابع: “بئر الأسماء المنسية”

“بئر الأسماء المنسية”
لم تعد العودة من الوادي تعني النجاة، بل كانت تعني بداية "التحول". فكل من لمس ملح ذلك الوادي، صار يحمل في تجاويف صدره صدىً لصرخاتٍ قديمة. في القرية، تبدلت الملامح؛ الوجوه التي كانت مألوفة صارت تبدو وكأنها "أقنعة" طينية توشك أن تتشقق. أما اسمي الذي نُحت على الجدار، فقد بدأ ينزف سائلًا لزجًا، يفوح منه عطر الجنائز المهجورة.
ظهور "الكاتب": وسيط العدم
بينما كان الليل يزحف كأفعى سوداء فوق السطوح، زارني "الخضر"؛ ذلك الشيخ الذي يقال إنه شهد بناء أول بيت في القرية ولم يمت. لم يدخل من الباب، بل وجدته جالساً في زاوية الغرفة، وعيناه غائرتان كبئرين جفت فيهما الروح. قال بصوتٍ متهدج:
“أيها الأحمق.. ظننتم أن الكيان الطويل هو الخصم؟ هو مجرد 'سجان'. الخطر الحقيقي في 'الكاتب'؛ ذلك الذي لا يملك وجهاً، بل يملك ريشةً من عظم غراب، ومداداً من دمع الثكالى. هو من وثق العهد، وهو من يقرر متى ينتهي النسل.”
أخبرني الخضر أن الأجداد لم يبيعوا "أرواحهم" فقط، بل باعوا "أسماءهم"؛ فمن يُشطب اسمه من ديوان الكاتب، يُمحى أثره من الوجود كأنه لم يولد قط، ويصبح "ظلاً" تائهاً في خدمته.
الهبوط إلى “بئر الرفات”
بإرشادٍ مرعب من الخضر، وصلتُ إلى "بئر الأسماء المنسية" في أقصى أطراف القرية، حيث ترفض الكلاب النباح، وتتوقف الرياح عن الهبوب. بئرٌ فوهتها تشبه فماً مفتوحاً يبتلع الضوء. نزلتُ إليها مستخدماً حبلاً مجدولاً من "شعرٍ" بشري وقماش أكفان.
كلما نزلتُ متراً، زادت البرودة حتى تجمد النخاع. في القعر، لم أجد ماءً، بل وجدتُ "بحرًا من الحبر الأسود"، تطفو فوقه آلاف الرقائق الجلدية. وهناك.. رأيتُ "صالح".
لم يكن صالحاً الذي أعرفه. كان عارياً، وبشرته تحولت إلى لون الرخام البارد، وأصابعه طالت حتى أصبحت كالسكاكين. كان ينحت في جدار البئر أسماءنا واحداً تلو الآخر، وبجانب كل اسم يضع "علامة النحر". التفت إليّ، وكانت حدقتا عينيه قد اختفتا، وحل مكانهما سوادٌ مطلق ينبض. همس بصوتٍ ليس له:
“الاسم الثالث ليس بشراً يا ابن عمي.. 'الاسم الثالث' هو الصرخة التي كتمها جدنا وهو يدفن الرضيع الحي تحت عتبة المجلس. الوديعة هي 'الحياة المسروقة'، والآن.. صاحب الظل يريد استرداد جسده.”
مواجهة “مهندس اللعنة”
فجأة، ارتفع من وسط الحبر الأسود رجلٌ يرتدي بزةً سوداء قديمة، وجهه ممسوحٌ تماماً إلا من "عين واحدة" في جبهته، يمسك بسجلٍ ضخم يخرج منه أنينٌ بشري. كان هو "الكاتب".
لم يتكلم بفمه، بل ظهرت الكلمات محفورة على جلدي مباشرة:
“تريد مسح اسمك من السجل؟ الثمن بسيط.. امنحني 'انعكاسك'. عش بقية عمرك بلا صورة في المرآة، وسأجعل الظلال السبعة تتخطى بابك لتذهب إلى بيت جارك.”
نظرتُ في الحبر تحت قدمي، فرأيتُ انعكاسي.. لم يكن شكلي، بل كان شكلاً لكيانٍ مرعب يخرج من ظهري، يمد يده ليخنقني. أدركتُ أن "الكاتب" يريد تحويلي إلى مسخٍ آخر ليحفظ توازن اللعنة.
الهروب نحو “ما وراء الزجاج”
رفضتُ العرض بصرخةٍ هزت أركان البئر. في تلك اللحظة، انفجر الحبر الأسود، ووجدتُ نفسي مطروداً خارج البئر بفعل قوة غاشمة. عدتُ للقرية، لكن شيئاً ما قد تغير.
البيوت لم تعد في أماكنها، والمآذن صارت تشير لأسفل. دخلتُ بيتنا، فوجدتُ المرآة الكبيرة في الصالة محطمة، وخلف شظاياها.. رأيتُ "صالح" ينظر إليّ من الداخل، وهو يشير إلى غرفتي.
على سريري، كان هناك "صندوقٌ من الملح"، وبداخله "قلبٌ" لا يزال ينبض، ملفوفاً بورقة كُتب عليها:
“لقد دخل 'المستودع' دارك.. والجزء الخامس من العهد سيُكتب بدمك، خلف الزجاج حيث لا تشرق الشمس.”
خيوط الغموض للأجزاء القادمة: “عالم الانعكاس”
من هو "المستودع"؟ وكيف دخل البيت رغم كل الأقفال؟ وهل القلب النابض في الصندوق هو قلب "صالح" أم قلب شخصٍ لم يولد بعد؟
لغز "الجهة الأخرى": لماذا أصبحت المرايا بوابات؟ وهل القرية التي نراها الآن هي القرية الحقيقية، أم أننا سُحبنا داخل السجل أثناء وجودنا في البئر؟
الخطيئة الثالثة: ما هي قصة الرضيع الذي دُفن تحت العتبة؟ وكيف يمكن لهذا "الظل" أن يهدأ؟
في الجزء الخامس، سنعبر "حدود المرآة"، لنكتشف أن الرعب الحقيقي ليس في الظلام، بل في الضوء الذي يكشف الحقيقة الممسوخة لأجسادنا