اخر قطار قبل الفجر
اخر قطار قبل الفجر

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين انتهت سارة من ترتيب الأوراق داخل متجر الكتب القديمة الذي تعمل به. الشارع بالخارج كان شبه فارغ، والبرد يملأ الهواء رغم بداية الصيف.
أغلقت آخر صندوق، ثم لاحظت كتابًا سقط خلف الرف الخشبي. انحنت لالتقاطه، لكن شيئًا آخر كان أسفله.
تذكرة قطار قديمة.
غطاها الغبار، لكن الكلمات ما زالت واضحة:
“قطار الفجر — الرصيف رقم 7.”
حدقت سارة في التاريخ المكتوب عليها… فتجمدت.
التاريخ كان للغد.
همست بدهشة: “مستحيل…”
كانت تعرف هذا الاسم جيدًا. قطار الفجر قصة قديمة يتحدث عنها سكان المدينة منذ سنوات. قطار اختفى بعد حادث غامض، وأُغلقت المحطة بعدها نهائيًا.
أدخلت التذكرة في حقيبتها دون أن تفهم لماذا شعرت فجأة بالخوف.
وفي طريق عودتها للمنزل، لاحظت شيئًا غريبًا.
رجل عجوز كان يقف تحت عمود إنارة يراقبها بصمت.
وعندما اقتربت، قال بهدوء: “إذا ركبتِ القطار… لن تعودي كما كنتِ.”
ثم اختفى وسط الضباب.
الفصل الثاني: الرصيف المهجور
في اليوم التالي حاولت سارة إقناع نفسها أن الأمر مجرد مزحة قديمة، لكنها لم تستطع التوقف عن التفكير بالتذكرة.
وقبل منتصف الليل بقليل، وجدت نفسها تسير نحو محطة القطارات القديمة.
البوابة كانت مغلقة بسلاسل صدئة، لكن بابًا جانبيًا صغيرًا كان مفتوحًا.
دخلت بتردد.
الغبار يملأ المكان، والسكون مخيف لدرجة أنها كانت تسمع أنفاسها فقط.
ثم رأت الضوء.
قطار أسود طويل يقف على الرصيف رقم 7، وكأنه لم يختفِ يومًا.
أبوابه فُتحت ببطء.
تراجعت سارة خطوة، لكن صوتًا خلفها قال: “أسرعي… القطار لا ينتظر أحدًا.”
التفتت بسرعة، لكنها لم تجد أحدًا.
بلعت خوفها وصعدت.
ما إن جلست حتى أُغلقت الأبواب وتحرك القطار بصوت معدني عميق.
نظرت حولها.
العربة كانت مليئة بالركاب… لكن الجميع صامتون.
رجل يقرأ جريدة قديمة. طفلة تمسك دمية ممزقة. وامرأة تحدق من النافذة بلا حركة.
ثم لاحظت شيئًا مرعبًا.
كل ساعة داخل القطار كانت متوقفة عند الثالثة فجراً.
الفصل الثالث: المحطة التي لا تظهر على الخرائط
توقف القطار فجأة.
نظرت سارة من النافذة، لكنها لم تتعرف على المكان.
المحطة بدت مهجورة تمامًا، ولا تحمل أي اسم.
نزل بعض الركاب ببطء، بينما بقي آخرون في أماكنهم كأنهم تماثيل.
اقتربت منها الطفلة الصغيرة وهمست: “لا تنزلي هنا.”
لكن سارة تجاهلتها ونزلت.
الضباب كان كثيفًا حتى إنها بالكاد ترى قدميها.
ثم سمعت صوتًا مألوفًا.
“سارة!”
توقفت أنفاسها.
كان صوت والدها.
ركضت وسط الضباب حتى رأت ظله بعيدًا، لكنها كلما اقتربت ابتعد أكثر.
وفجأة ظهر باب خشبي وحيد وسط المحطة.
فتحته بسرعة…
لتجد غرفة قديمة مليئة بالساعات المتوقفة.
وفي منتصف الغرفة صورة كبيرة لوالدها.
تحت الصورة كُتبت جملة واحدة:
“البعض لا يختفي… بل يُحتجز بين الأزمنة.”
الفصل الرابع: الرجل بلا وجه
عادت سارة إلى القطار مذعورة.
كانت العربة هذه المرة فارغة تقريبًا، ما عدا رجل يجلس في آخر المقصورة مرتديًا معطفًا أسود طويلًا.
اقتربت بحذر.
“من أنت؟”
رفع رأسه ببطء.
شهقت.
وجهه كان بلا ملامح.
لا عينين، لا فم، لا أنف… مجرد فراغ مخيف.
قال بصوت عميق: “القطار يختار من يركبه.”
تراجعت سارة بخوف، لكنه أكمل: “والدك حاول الهرب.”
“أين هو؟!”
“بين محطة وأخرى.”
أخرج الرجل ساعة فضية ووضعها أمامها.
“إذا توقفت الساعة… سيتوقف الطريق للأبد.”
ثم اختفى فجأة، وكأنه لم يكن موجودًا.
وفي اللحظة نفسها بدأت أنوار القطار تومض بعنف.
الفصل الخامس: الرسالة الأخيرة
بدأ القطار يتحرك بسرعة جنونية.
الركاب صاروا يختفون واحدًا تلو الآخر، وكأنهم يتبخرون في الهواء.
صرخت سارة وهي تتمسك بالمقعد.
ثم وجدت رسالة فوق المقعد المجاور.
كانت بخط والدها.
“إذا قرأتِ هذه الرسالة، فهذا يعني أنك وصلتِ أبعد مما توقعت.”
بدأت دموعها تنزل وهي تكمل القراءة.
“القطار ليس وسيلة سفر… بل سجن للذين يحملون أسرارًا لم تُكشف. حاولتُ تدميره، لكنني فشلت. الآن لديكِ فرصة واحدة.”
أسفل الرسالة كان هناك مفتاح صغير.
“افتحي غرفة المحرك قبل الوصول للمحطة الأخيرة.”
ركضت سارة وسط العربات المهتزة حتى وصلت إلى باب حديدي ضخم.
أدخلت المفتاح.
فتح الباب ببطء…
وفي الداخل رأت والدها.
كان أكبر سنًا، متعبًا، لكنه حي.
نظر إليها بصدمة وهمس: “لماذا أتيتِ؟!”
الفصل السادس: آخر محطة
احتضنت سارة والدها بقوة، لكن الأرض بدأت تهتز بعنف.
صوت القطار صار أعلى، والأنوار تحولت إلى اللون الأحمر.
قال والدها بسرعة: “القطار ينهار… يجب أن تنزلي الآن!”
“وأنت؟”
ابتسم بحزن: “أنا جزء منه الآن.”
رفضت تركه، لكنه أعطاها الساعة الفضية نفسها.
“حين تصلين للمحطة… حطميها.”
بدأت الأبواب تُفتح وحدها بينما ظهر الضوء الأبيض القوي بالخارج.
قفزت سارة من القطار قبل لحظات من اختفائه داخل الضباب.
استيقظت على أرض محطة مهجورة مع شروق الشمس.
كل شيء كان هادئًا.
لا قطار. لا ركاب. لا ضباب.
فقط الساعة الفضية بين يديها.
وقفت ببطء، ثم حطمتها على الأرض.
وفي اللحظة نفسها…
سمعت صوت صفارة قطار بعيد يختفي للأبد.
رفعت عينيها نحو السماء، وشعرت لأول مرة منذ سنوات أن والدها أصبح حرًا أخيرًا.
لكن قبل أن تغادر المحطة، لاحظت شيئًا أخيرًا.
تذكرة قطار جديدة فوق المقعد القديم.
تحمل اسمًا آخر… وتاريخ الغد.