همسات خلف الجدار
همسات خلف الجدار
لم يكن "سليم" من النوع الذي يخاف بسهولة. طوال حياته، كان يرفض تصديق أي شيء لا يمكن تفسيره؛ الأشباح مجرد خيال، واللعنات أوهام، والأصوات في الظلام ليست سوى خدع يصنعها العقل. لكن الشقة الجديدة… لم تكن طبيعية.
كانت تقع في نهاية ممر طويل داخل عمارة شبه مهجورة. الجدران باهتة، والهواء بارد رغم إغلاق النوافذ، وحتى الصوت داخلها كان مكتومًا، كأن المكان يبتلع أي ضوضاء. في أول ليلة، استيقظ سليم على صوت طرق خافت: ثلاث طرقات… ثم صمت. فتح عينيه واستمع قليلًا، ثم عاد للنوم، مقنعًا نفسه أنها مجرد أصوات عادية.
لكن الصوت عاد في الليلة التالية، أوضح وأقرب. نهض ببطء واتجه نحو الجدار، وضع يده عليه فشعر ببرودة قاسية، كأنه يلمس حجرًا مدفونًا منذ زمن طويل. اقترب أكثر، وضع أذنه… وهنا سمعه:
"ساعدني…"
تجمد في مكانه. لم يخبر أحدًا باسمه، ومع ذلك بدأ الصوت يناديه لاحقًا. حاول تجاهل الأمر، لكن الشقة نفسها بدأت تتغير؛ الساعة تتوقف يوميًا عند الثالثة فجرًا، الأنوار تومض بلا سبب، والمرايا لم تعد تعكسه وحده، بل أحيانًا تُظهر ظلًا يقف خلفه… يراقبه.
مع مرور الأيام، أصبح الجدار باردًا بشكل غير طبيعي، بل وكأنه ينبض بالحياة. لم يعد سليم قادرًا على الاحتمال، فأمسك بمطرقة ووقف أمام الجدار مترددًا، ثم ضرب. ضربة تلتها أخرى، حتى بدأ الجدار يتشقق،

لكن ما خلفه لم يكن شقة أخرى… بل فراغ مظلم بلا نهاية.
ومن ذلك الظلام، خرج الصوت:
“أخيرًا…”
حاول سليم التراجع، لكن شيئًا أمسك بيده. لم يكن مرئيًا،
لكنه كان حقيقيًا، باردًا كالموت. ظهرت ملامح وجه بلا عيون، وفم مفتوح في صرخة صامتة. قال الكيان:
"أنا كنت زيك… سمعت الطرق."

وفجأة، اشتدت القبضة، وسُحب سليم إلى الداخل.
في الداخل، لم يختفِ… بل بقي. كان يشعر بكل شيء، يسمع همسات الآخرين، أرواحًا محبوسة مثله، كلهم سمعوا الصوت ذاته وارتكبوا نفس الخطأ. أدرك حينها أن هذا المكان لا يقتل ضحاياه… بل يجعلهم جزءًا منه.
ثم وجد نفسه أمام الجدار… ولكن من الجهة الأخرى.
وضع يده عليه دون إرادة، وبدأ يطرق: ثلاث طرقات… ثم صمت… ثم ثلاث أخرى.
على الجانب الآخر، سمع صوت رجل يقول:
"في حد هنا؟"
ولأول مرة… ابتسم سليم.
"ساعدني…"
اقترب الرجل، بدأ يكسر الجدار، والضوء تسلل إلى الداخل. وفي اللحظة التي انفتح فيها، خرجت يد من الظلام وسحبته بسرعة. صرخة قصيرة… ثم صمت.
في الخارج، أغلق المالك الباب بهدوء، وابتسم قائلاً:
"كل مرة نفس الغلط…"
وفي الداخل…
عاد الطرق من جديد.
ثلاث طرقات… ثم صمت… ثم ثلاث أخرى.
لكن هذه المرة… لم يكن سليم وحده.

لكن هذا لم يكن أسوأ ما في الأمر.
في البداية، كان يسمعهم فقط؛ همسات متداخلة، أنفاس متقطعة، وأصوات أشخاص يحاولون التحدث، لكن كلماتهم تذوب قبل أن تكتمل. ومع الوقت، بدأ يفهم.
"إنت جديد…"
"زيّنا…"
"سمعت الطرق… صح؟"
أدرك أنهم ليسوا أصواتًا عشوائية، بل أشخاص حقيقيون… أو ما تبقى منهم. كل واحد منهم دخل هذا المكان بنفس الطريقة؛ اقترب من الجدار… وفتحه. والشيء الذي جمعهم لم يكن الفضول… بل الخطأ.
حاول سليم أن يتحرك، أن يصرخ، أن يرفض ما يحدث، لكنه اكتشف أن جسده لم يعد له. كان موجودًا، لكنه مُقيد داخل هذا الظلام، كأنه فكرة أكثر منه إنسانًا.
ثم ظهر "هو".
لم يكن له شكل ثابت؛ أحيانًا كان الوجه الذي رآه أول مرة بلا عيون وفم مفتوح، وأحيانًا مجرد ظل كثيف يبتلع الضوء من حوله.
"هتتعلم…" جاء الصوت من كل اتجاه، "إزاي تجيب غيرك."
وفجأة، شعر سليم بشيء يسحبه، ليس إلى الأمام بل إلى سطح صلب… الجدار. لكن هذه المرة، كان يقف خلفه.
وضع يده عليه رغمًا عنه، وشعر بنفس البرودة القاسية. ثم تحركت يده:
طرق… طرق… طرق.
ثم صمت…
ثم ثلاث أخرى.
من الجهة الأخرى، جاء الصوت:
"في حد هنا؟"
صوت رجل… حي.
ارتجف سليم من الداخل. حاول أن يصمت، أن يقاوم، لكن الصوت بداخله كان أقوى.
"قولها…" همس الكيان.
"ساعدني…"
خرجت الكلمة رغماً عنه.
اقترب الرجل أكثر، وبدأ يكسر الجدار. كل ضربة كانت تهز المكان، وكأن الجدار ليس مجرد فاصل… بل باب يُفتح من جهة واحدة فقط.
بدأ الضوء يتسلل من الشقوق، وللحظة… شعر سليم بالأمل.
لكن الكيان ضحك.
"فاكر إنك هتخرج؟"

وفي اللحظة التي انفتح فيها الجدار… لم يخرج سليم.
بل خرجت يد.
يد باردة، شاحبة، ليست له. أمسكت بالرجل وسحبته بعنف. صرخة قصيرة… ثم صمت.
وعاد الظلام كما كان.
لكن هذه المرة… كان هناك صوت جديد:
"إيه ده؟! أنا فين؟!"
فهم سليم الحقيقة.
الدور لا ينتهي… بل يتكرر. وكل مرة… واحد جديد.
ثم جاء دوره مرة أخرى.
عاد الجدار أمامه، وتحركت يده من جديد:
طرق… طرق… طرق.
ثم صمت…
ثم ثلاث أخرى.
لكن هذه المرة، لم يكن يشعر بالخوف فقط… بل بشيء أخطر:
الانتظار.
في الخارج، وقف مستأجر جديد في الشقة، ينظر حوله بقلق:
"حاسس إن في صوت…"
اقترب ببطء من الجدار.
وفي الداخل…
ابتسم سليم.
لكن ابتسامته لم تعد بشرية.
وعندما وضع الرجل أذنه على الجدار…
لم يسمع صرخة.
بل همسة هادئة، قريبة جدًا:
"أنا مستنيك."
وفي تلك اللحظة…
بدأ الجدار يتشقق من تلقاء نفسه.
انتظروا الجزء الثاني………….