الليلة التي لم أعد فيها وحدي
في إحدى القرى الهادئة حيث يبدو كل شيء ساكنًا إلى حد يثير الطمأنينة في البداية كنت أعيش حياة بسيطة بعيدة عن أي ضجيج أو ازدحام كان منزلي يقع في أطراف القرية قريبًا من الأراضي الزراعية الممتدة التي تختفي خلفها الشمس كل مساء بشكل بطيء ومخيف في الوقت نفسه لم يكن هناك الكثير من الجيران فقط بعض البيوت المتباعدة وصوت الرياح وهي تمر بين الأشجار وكأنها تهمس بشيء لا يُفهم في البداية أحببت هذا الهدوء كنت أعتقد أنه المكان المثالي للراحة والهروب من ضغط الحياة لكن مع مرور الأيام بدأ
هذا الصمت يتحول إلى شيء آخر شيء ثقيل كأنه يضغط على صدري دون سبب كنت أشعر أحيانًا أن المنزل أكبر من حجمه الحقيقي وأن الزوايا التي لا أراها تحتوي على شيء ينتظر فقط أن ألتفت في إحدى الليالي استيقظت فجأة على صوت خافت جدًا كأن أحدهم يسير بحذر داخل المنزل ظننت أنه حلم أو ربما وهم لكن الصوت كان واضحًا خطوات بطيئة تتحرك في الصالة تقترب ثم تتوقف تعود شعرت بالخوف لكن نهضت ببطء أمسكت هاتفي أضأت الضوء فرأيت الباب الخارجي مفتوحًا قليلًا رغم أنني أغلقت قبل النوم
تجمدت حاولت التبرير لكن الإحساس كان أقوى خرجت أبحث أغلقت الباب وعدت لكن لم ينته الأمر في الأيام التالية بدأت ألاحظ أشياء تختفي تعود أصوات همس مراقبة مستمرة في الليل استيقظت مرة أخرى على همس قريب جدًا خرجت انطفأ الهاتف فجأة ظلام كامل شعرت بنفَس خلفي تجمدت عاد الضوء التفت لا أحد في الصباح قررت الرحيل ذهبت إلى رجل كبير أخبرني أن البيت لم يكن فارغًا من قبل أن أسكنه قال كان يعيش فيه رجل مات بظروف غامضة عدت لجمع أغراضي سمعت الصوت مرة أخرى يقول ما تمشيش ركضت خارج المنزل دون أن ألتفت ومنذ ذلك اليوم لم أعد إليه لكن أحيانًا في الليل أسمع الهمس يعود ويقول إنت رجعت ولا أعرف هل هو خوف أم أن شيئًا ما لا
يزال يتبعني حتى الآن في كل مرة أحاول فيها تجاهل الأمر أشعر أن الذكرى تعود أقوى وكأن المنزل لم يغادر عقلي أبدًا بدأت ألاحظ أن أصوات الليل في أماكن أخرى تشبه نفس النغمة التي سمعتها هناك في تلك الليلة الأولى حتى عندما أكون في منزل جديد أو مكان مختلف أشعر بنفس البرودة التي كانت تلمس رقبتي أحيانًا أستيقظ في منتصف الليل دون سبب واضح وأجد نفسي أحدق في الظلام لفترة طويلة كأنني أنتظر شيئًا يظهر مرة أخرى حاولت إقناع نفسي أن كل ما حدث مجرد توتر أو تخيل لكن ذلك لم ينجح أبدًا لأن الصوت كان حقيقيًا بشكل لا يمكن تفسيره في إحدى المرات قررت أن أبحث أكثر عن تاريخ المنزل وسألت بعض سكان القرية عن المكان كان البعض يتجنب الحديث وكأن هناك سر لا يريدون كشفه بينما آخرون اكتفوا بالصمت فقط لكن نظراتهم كانت كافية لتجعلني أشعر أن هناك شيئًا أكبر مما قيل لي بدأت أصدق أن ما يحدث ليس مجرد خيال في
ليلة جديدة حاولت النوم لكن الباب الداخلي لغرفتي بدأ يهتز بشكل خفيف كأن أحدهم يضع يده عليه ببطء شديد جلست أراقب دون حركة لساعات حتى اختفى الصوت فجأة ثم عاد الهمس مرة أخرى لكن هذه المرة كان أقرب من أي وقت سابق وكأنه داخل الغرفة مباشرة لم أستطع الصراخ أو التحرك شعرت أن الهواء أصبح أثقل من أي وقت مضى ثم توقف كل شيء فجأة وكأن العالم عاد إلى صمته الطبيعي بعدها بدأت أدرك أن الهروب ليس فقط من المكان بل من الفكرة نفسها فكرة أن هناك شيئًا ما ينتظر أن أخاف أكثر وأضعف مع كل ليلة تمر أصبحت أقل نومًا وأكثر توترًا حتى قررت أن أكتب كل ما يحدث كنوع من التوثيق ربما أجد تفسيرًا يومًا ما لكن حتى الكتابة لم تمنحني الراحة لأن الورق نفسه كنت أشعر أنه يقرأ ما بداخلي الآن أعيش بعيدًا عن ذلك المكان لكن الذكرى لا تغادر أبدًا وفي كل ليلة هادئة أسمع نفس الجملة تتكرر في عقلي بصوت منخفض جدًا كأنه
قادم من مكان بعيد إنت رجعت وأحيانًا أظن أن الإجابة ليست مهمة بقدر ما هو قادم خلف الإجابة نفسه لأن الشعور لا يزال موجود حتى لو غادرت كل شيء أحيانًا أعتقد أن ما حدث لم يكن متعلقًا بالمنزل وحده بل بشيء تبعني منذ تلك الليلة الأولى وربما لم يتركني أبدًا وحتى الآن لا أعرف إن كنت أنا من هرب فعلاً أم أن الشيء نفسه سمح لي بالمغادرة فقط ليبقى قريبًا بطريقة أخرى لا أفهمها لكن كل ما أعرفه أن الوحدة لم تعد كما كان