بيت الظلام :العهد الدموي

بيت الظلام :العهد الدموي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

image about  بيت الظلام :العهد الدموي

 

العهد الدموي

 

في قلب قرية منسية، نبتت كأطراف ميتة وسط غابات السنديان الكثيفة، يقبع "بيت الظلال". لم يكن مجرد بناء متآكل، بل كان كياناً حياً يتنفس الخوف. كان القرويون يتبادلون الهمس حوله، مؤكدين أن الضباب الذي يلفه ليس بخاراً، بل هو أنفاس الأرواح المحبوسة خلف جدرانه. كانت القاعدة الذهبية في القرية بسيطة: "لا تنظر إلى نوافذ بيت الظلال بعد الغروب، لكي لا ينظر إليك ما يسكنه".

لكن مروان، الشاب الذي لم يؤمن يوماً بالخرافات، اعتبر تلك القصص وسيلة من كبار السن لإبقاء الشباب تحت السيطرة. وفي ليلة شتوية عاصفة، حيث كان القمر مخنوقاً بسحب سوداء كثيفة، قرر مروان كسر الحظر. لم يكن يبحث عن مغامرة فحسب، بل كان يريد إثبات أن الوحوش لا توجد إلا في العقول الضعيفة.

عندما وصل إلى البوابة الحديدية الصدئة، شعر مروان بلسعة برودة لم يعهدها، برد ينخر العظام ولا علاقة له بحالة الطقس. دفع الباب الخشبي الضخم، فصدر عنه صرير طويل بدا وكأنه أنين لجسد يعذب. بمجرد دخوله، انغلق الباب خلفه بقوة جبارة، وكأن البيت قد ابتلع طعامه وأغلق فمه. ساد صمت مطبق، صمت ثقيل لدرجة أنه كان يسمع نبضات قلبه المتسارعة التي بدأت تعزف لحن الندم.

أشعل مروان شمعته، فكشفت عن ردهة واسعة تتراكم فيها الأتربة، لكن الغريب كان وجود شمعدانات فضية لامعة وكأن أحداً كان ينظفها للتو. فجأة، بدأت الهمسات تملأ الأرجاء، أصوات متداخلة بلغات غير مفهومة. التفت مروان ليرى ظلاً يتجسد من العدم؛ امرأة شاحبة ترتدي ثوباً أبيض ممزقاً، شعرها الأسود يغطي وجهها، لكن عينيها كانتا تنبعث منهما ظلمة حالكة. لم تكن شبحاً عادياً، بل كانت "الناحبة"، الروح التي تقبض على الأنفاس قبل الموت.

تراجع مروان، لكنه وجد نفسه محاصراً ببرودة مفاجئة خلف ظهره. من أعلى الدرج الرخامي، نزل رجل طويل القامة، يتحرك بخفة قط مفترس. كان يرتدي معطفاً أسود يمتص الضوء من حوله. وجهه كان منحوتاً من رخام بارد، وعيناه تلمعان بوهج قرمزي متعطش.

قال الرجل بصوت رخيم يهز الجدران: "لقد مر قرن كامل منذ أن تذوقت دماءً مفعمة بالحياة والتمرد. دخولك ليس شجاعة يا مروان، بل هو قربان."

في تلك اللحظة، برزت من شفتي الرجل أنياب حادة، وأدرك مروان أنه أمام "الكونت فكتور"، مصاص الدماء الذي محت السنين اسمه من السجلات وبقي في الحكايا. حاول مروان الصراخ، لكن صوته انقطع في حنجرته عندما طارت المرأة الشبح نحوه وأطبقت بيديها الباردتين على كتفيه.

انطفأت الشمعة، ليس بفعل الهواء، بل لأن الأمل غادر المكان. غرق البيت في سواد مطلق، ولم يسمع من الخارج سوى صرخة واحدة قصيرة، تلتها ضحكة باردة تجمّد لها دماء القرويين في مضاجعهم.

في الفجر، كانت النوافذ لامعة، والباب مفتوحاً كالعادة، لكن مروان صار مجرد اسم محفور بدمائه على أرضية الردهة، بجانب عبارة تقول: "الظلال لا ترحم من يوقظها." ومنذ ذلك الحين، صار هناك صوت جديد ينضم إلى جوقة الأشباح الليلية، صوت شاب يتوسل للرحمة في بيت لا يعرف معناها.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
يوسف زكي تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-