البيت الذي لا ينسى
البيت الذي لا ينسى
لم يكن “محمود” من النوع الذي يخاف بسهولة. طوال حياته، كان يعتقد أن كل قصص الأشباح مجرد خرافات صنعها الناس لتفسير ما لا يفهمونه. لذلك، عندما أخبره السمسار أن البيت قديم ومهجور منذ سنوات، لم يتردد. السعر كان منخفضًا بشكل غريب، لكن هذا لم يهمه.
القرية نفسها كانت هادئة أكثر من اللازم. الناس ينظرون إليه بنظرات طويلة، وكأنهم يعرفون شيئًا لا يريدون قوله. عجوز عند مدخل القرية حاولت تحذيره:
“البيت ده… مش زي باقي البيوت.”
لكنه تجاهلها.
في الليلة الأولى، كان كل شيء ساكنًا بشكل مريب. لا أصوات حشرات، لا كلاب تنبح، لا حتى نسمة هواء. الصمت كان ثقيلًا لدرجة أنه جعله يشعر بأنه ليس وحده… رغم أنه يعلم أنه وحده.
عند الساعة الثانية عشرة تمامًا، بدأ الصوت.
“خطوة… خطوة… خطوة…”
صوت أقدام بطيئة فوقه مباشرة.
تجمد في مكانه، قلبه ينبض بقوة. حاول إقناع نفسه أنها مجرد أوهام، لكنه لم يستطع تجاهل الصوت المنتظم. صعد السلم بحذر، وكل درجة كانت تصدر صريرًا مزعجًا.
فتح باب الطابق العلوي.
لا أحد.
لكن الغبار على الأرض كان يحمل آثار أقدام واضحة… وكأن شخصًا كان يسير هناك قبل لحظات.
في الليلة الثانية، لم يكن هناك صمت.
بدأت الهمسات قبل أن ينام.
صوت خافت… كأنه يأتي من داخل الجدران نفسها.
اقترب… وضع يده على الحائط…
وفجأة سمع بوضوح:
“اخرج… قبل ما يفوت الأوان…”
ابتعد بسرعة، لكن الصوت تحول إلى ضحك منخفض… ثم صمت.
في اليوم التالي، حاول مغادرة المنزل. جمع أشيائه وذهب إلى الباب… لكنه لم يُفتح.
جرب كل النوافذ… كلها مغلقة بإحكام، كأنها لم تُفتح منذ سنوات.
بدأ الخوف يتسلل إليه.
مع مرور الأيام، أصبح البيت يتغير.
الغرف التي يعرفها لم تعد كما هي. ممرات تظهر ثم تختفي. أبواب لم تكن موجودة من قبل.
وفي إحدى الليالي، نظر إلى المرآة…
لكنه لم ير نفسه فقط.
رأى أشخاصًا خلفه… وجوه شاحبة… عيون فارغة… يحدقون فيه بصمت.
استدار بسرعة…
لا أحد.
عاد لينظر إلى المرآة…
فوجدهم أقرب.
في الليلة الخامسة، استيقظ على صوت تنفس بجانبه.
لم يكن وحده في الغرفة.
شيء ما كان يقف بجوار سريره… يراقبه.
حاول الحركة… لم يستطع.
جسده كان مشلولًا.
الصوت اقترب من أذنه…
وهمس:
“دلوقتي… دورك.”
فجأة، اختفى كل شيء.
استيقظ ليجد نفسه واقفًا أمام المرآة.
لكن هذه المرة… لم يكن يرى انعكاسه.
كان يرى البيت.
ومن داخل البيت… رأى نفسه… محبوسًا… يصرخ بلا صوت.
في الصباح، مر أحد أهل القرية أمام المنزل.
نظر إلى النافذة بقلق…
ورأى وجهًا جديدًا يقف خلف الزجاج.
لم يكن يتحرك…
لم يكن يرمش…
وكانت عيناه مليئتين بالرعب…
كأنهما تحاولان طلب المساعدة…
لكن بعد فوات الأوان.
