صدى الوجوه الباهتة (قصه رعب )

صدى الوجوه الباهتة (قصه رعب )

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

صدى الوجوه الباهتة

image about صدى الوجوه الباهتة (قصه رعب )

 

لم تكن الرياح هي ما أرعب سامر حين وطئت قدماه عتبة القصر، بل كان ذلك الصمت المطبق الذي شعرت معه أذناه بضغط هائل، وكأن المكان يرفض وجود أي صوت غريب فيه. كان القصر يقف كجثة هامدة وسط أشجار الصفصاف المتدلية، بنوافذه المحطمة التي تشبه أعينًا عمياء تراقب المتطفلين.

​دخل سامر الردهة الرئيسية، وكانت رائحة العفن والغبار تخنق الأنفاس. أخرج كشافه اليدوي، ليرى الغبار يتراقص في حزمة الضوء وكأنه كائنات مجهرية واعية. كانت مهمته بسيطة: قضاء ليلة واحدة، تسجيل الانطباعات الحية، والمغادرة مع الفجر. لكن القصر كان له رأي آخر.

​بينما كان يسير في الرواق الطويل، لاحظ شيئاً غريباً؛ الجدران كانت مغطاة بمرايا ضخمة ذات إطارات ذهبية متآكلة. في كل مرة يمر بجانب مرآة، كان يشعر وكأن انعكاسه يتأخر أجزاءً من الثانية عن حركته الفعلية. توقف أمام مرآة في نهاية الممر، ورفع يده ليمسح الغبار عنها، لكنه تجمد مكانه. انعكاسه في المرآة لم يكن يمسح الغبار، بل كان يقف مكتوف اليدين، يبتسم له ابتسامة عريضة غير بشرية، ابتسامة تمتد لتصل إلى أذنيه.

​تراجع سامر للخلف، وقلبه يقرع كالطبل في صدره. حاول إقناع نفسه بأنه مجرد هلاوس ناتجة عن التعب، لكن الهمس بدأ. لم يكن همساً قادماً من الغرف، بل كان ينبعث من خلف زجاج المرايا. أصوات باهتة، كأنها استغاثات غارقة تحت الماء.

​قرر سامر الخروج فوراً، لكنه اكتشف أن الباب الرئيسي الذي دخل منه قد اختفى، وحل محله جدار مصمت عليه مرآة عملاقة. نظر فيها ليرى نفسه، لكن خلف ظهره في الانعكاس، رأى أشخاصاً يقفون. رجال ونساء بملابس قديمة، وجوههم شاحبة وعيونهم فارغة تماماً، كانوا يقتربون من "سامر الذي في المرآة" ويضعون أيديهم على كتفه.

​شعر سامر ببرودة حقيقية تخترق كتفه في الواقع، رغم أنه لا يوجد أحد خلفه في الغرفة الحقيقية. أدرك حينها الحقيقة المرة: القصر ليس مسكوناً بالأشباح، بل هو "مصيدة أبعاد". المرايا هي السجون، وما يراه الآن هو عملية تبديل.

​بدأ الزجاج يتشقق ببطء، وبدأت يد شاحبة طويلة تخرج من سطح المرآة السائل، لتمسك بتلابيب قميصه. حاول الصراخ، لكن صوته كان يخرج باهتاً وكأنه صادر من بئر سحيق. سحبته اليد بقوة نحو الزجاج، وفي تلك اللحظة، رأى نسخته "الأخرى" تخرج من المرآة إلى الردهة، تتنفس بعمق، وتعدل ياقة قميصها ببرود.

​سقط سامر داخل العالم الزجاجي البارد، ل يجد نفسه في نسخة رمادية وصامتة من القصر. التفت ليرى "سامر المزيف" ينظر إليه من الجانب الآخر للزجاج، يغمز له بخبث، ثم يطفئ الكشاف اليدوي ويمشي مبتعداً نحو الباب الذي ظهر فجأة.

​بقي سامر الحقيقي يضرب الزجاج بكل قوته، لكن لا صوت يخرج، ولا أثر يظهر. والآن، إذا زرت ذلك القصر ونظرت في مراياه، قد ترى شاباً يائساً يلوح لك من بعيد، يحذرك من الاقتراب، بينما يبتسم لك انعكاسك بابتسامة... أوسع قليلاً مما ينبغي.أبشر، إليك تكملة القصة من النقطة التي توقفت عندها، حيث يواجه سامر مصيره الجديد داخل عالم المرايا:

​لم يكن البرد في هذا العالم الرمادي برداً عادياً؛ كان صقيعاً ينخر العظام، صقيعاً لا يأتي من انخفاض درجات الحرارة، بل من غياب الحياة تماماً. وقف سامر الحقيقي خلف الزجاج، يراقب "بديله" وهو يغادر الردهة حاملاً مصباحه اليدوي، يختفي رويداً رويداً في ظلام القصر الذي لم يعد سامر ينتمي إليه.

​استدار سامر ببطء، وكان الخوف قد شلّ قدرته على التفكير المنطقي. لم يعد هناك سقف للقصر في هذا البعد؛ بدلاً من ذلك، كانت هناك سماء حالكة السواد تملؤها دوامات من الضباب الدخاني الذي يشبه الأرواح المعذبة. الأرضية لم تكن خشباً متآكلاً، بل كانت سطحاً عاكساً داكناً، تشعر حين تطأه وكأنك تمشي على ماء متجمد، لكنك لا تغرق.

​"هل من أحد هنا؟" صرخ سامر، لكن صوته لم يكن له صدى. خرج ميتاً، مسطحاً، وكأن الهواء نفسه يمتص الترددات الصوتية.

​فجأة، بدأت الوجوه تظهر.

​لم تكن قادمة من خلف الأبواب، بل كانت تخرج من الجدران الزجاجية المحيطة به. مئات الوجوه. رجال ببدلات رسمية عتيقة، نساء بفساتين سهرة ممزقة، وأطفال بوجوه هرمة. كلهم كانوا يشتركون في شيء واحد: عيونهم كانت عبارة عن حفر سوداء فارغة، وأفواههم مفتوحة في صرخة صامتة أبدية.

​اقتربت منه امرأة شابة، كانت ملامحها مألوفة، ربما رآها في إحدى الصور القديمة في الردهة الحقيقية. وضعت يدها الشاحبة على صدره، ولم يشعر سامر بضغط، بل شعر بفراغ هائل يمتص الدفء المتبقي في جسده. بدأت تهمس، ولم يكن الهمس يأتي من فمها، بل تردد صداه مباشرة داخل عقله.

​"أنت الآن صدى... مثلنا..."* قالت الأصوات المتعددة في عقله كجوقة جنائزية. “لقد أخذوا أجسادنا، وتركوا لنا الانعكاس. إنهم يعيشون حياتنا، يأكلون طعامنا، ويقبلون أحباءنا... ونحن هنا، نشاهد، ونتلاشى.”

​أدرك سامر الرعب الحقيقي الآن. السجن ليس مؤبداً، بل هو عملية تآكل. كل يوم يقضيه هنا، سيفقد جزءاً من ذكرياته، من مشاعره، حتى يصبح مجرد وجه باهت آخر في هذا المعرض الجنائزي، ينتظر ضحية جديدة لتأخذ مكانه في دورة لا تنتهي.

​اندفع سامر يركض في الرواق الرمادي الذي لا ينتهي، محاولاً العثور على أي مخرج، أي شق في هذا السجن الزجاجي. كان يرى من خلال "الجدران" لمحات من العالم الحقيقي: قطرات مطر تسقط على النافذة، عنكبوتاً ينسج شبكته في زاوية الغرفة. كانت هذه المناظر العادية تبدو الآن كأجمل اللوحات الفنية التي حرم منها.

​تعثر وسقط على الأرضية العاكسة. نظر لأسفل، ليرى وجهه في "المرآة" التي هي الأرضية. لكنه لم يرَ وجهه الخائف، بل رأى وجهه "الآخر"، "البديل" الذي خرج. كان البديل يقف في الغرفة الحقيقية، وينظر للأسفل نحو الأرضية بابتسامة خبيثة، وقد بدأ يغير ملابسه ليرتدي ملابس سامر المفضلة.

​رفع "البديل" قدمه، وبكل قوة، داس على وجه سامر المنعكس في الأرضية.

​شعر سامر بألم مبرح يجتاح رأسه، وكأن جمجمته تتحطم. صرخ صرخة يائسة، وأخيراً، خرج الصوت. لم يكن صوتاً بشرياً، بل كان صوت تهشم زجاج ضخم.

​استيقظ سامر مجدداً... لكن هذه المرة، لم يكن في الرواق الرمادي.

​كان مستلقياً على ظهره، ويشعر بشيء ثقيل يضغط على صدره. فتح عينيه ليجد نفسه داخل إطار خشبي ثقيل ومذهب. كان سقف الغرفة التي يراها غريباً، ومقلوباً.

​أدرك الرعب الأخير: لقد تم نقله. لم يعد حراً حتى في البعد الرمادي. لقد أصبح الآن الانعكاس المحبوس داخل مرآة يد صغيرة، مرآة كانت تخص "عائلة الناظر".

​أمسكت يد مألوفة بالمرآة ورفعتها. كان "سامر البديل" ينظر إليه، بملامحه، وبنفس الابتسامة التي لا تصل للعينين. وضع البديل المرآة الصغيرة في جيبه، وقال بصوت سامر تماماً: “حان الوقت لنعود للمنزل... أمي تنتظرني.”

​وبينما كان البديل يغادر القصر المهجور خفيفاً، محاطاً بأنفاس الحياة، كان سامر الحقيقي يصرخ بلا صوت من داخل جيب معطفه، سجيناً في قطعة زجاج صغيرة، ينتظر... ينتظر يداً أخرى لتمسحه، لينقل لها اللعنة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Gomaa تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-