غرفة المسافرين: الليلة التي اختفى فيها الوقت

🌑 غرفة المسافرين: الليلة التي اختفى فيها الوقت
☠️في البداية، دعوني أعرفكم بنفسي.. أنا محمد راشد، طالب من القليوبية أدرس في كلية الحاسبات والمعلومات. كنت أقسم يومي بين كتبي وعملي في "سوبر ماركت" لأساعد في مصاريف دراستي، أما ملاذي الوحيد فكانت "القهوة"؛ أجلس هناك لأصفي ذهني من ضجيج اليوم.
هناك، وفي أحد الأيام، ظهر وجه جديد. شاب خلوق ومحترم يدعى أحمد عرابي، يبلغ من العمر 22 عاماً، جاء من "أبو كبير" بالشرقية ليعمل في المقهى. كان أحمد يسكن في غرفة ملحقة بالمقهى، يغيب عنا كل خميس ليعود لأهله، ثم يظهر مجدداً يوم السبت بوجهه البشوش.
لكن السبت الماضي لم يأتِ.
مرّ السبت، ثم الأحد، وهاتفه مغلق تماماً. سألت زملاءه في العمل، فكان ردهم الصمت أو الجهل بمكانه. دبّ القلق في قلبي، وبدأت الظنون تنهش رأسي، خاصة وأنه أخبرني مسبقاً عن مكان سكن عائلته في الشرقية. لم أتردد؛ في صباح الأحد، استجمعت شجاعتي وركبت أول "ميكروباص" متجهاً إلى "أبو كبير".
رحلة إلى المجهول
بعد رحلة استغرقت ثلاث ساعات، وجدت نفسي في موقف "أبو كبير". بدأت أسأل المارة بلهفة: "تعرفوا أحمد عرابي؟"، لكن الرد كان دائماً بنظرات حائرة ونفي قاطع، وكأنه فص ملح وذاب.
نال مني التعب، فجلست على مقهى متواضع لألتقط أنفاسي. فجأة، جلس بجانبي رجل مريب، أمسك كوب قهوته وبدأ يرتشفه وهو يرمقني بنظرات حادة وغامضة. قلت في نفسي: "يا ستار.. يبدو أنني جئت لنفسي بالمتاعب". حاولت تلطيف الأجواء فقلت: "بالهنا يا ريس".
لم يرد، بل زاد من حدة نظراته التي توحي بالغل. قلت له بلهجة المطمئن: "لا تقلق يا حاج، أنا غريب عن هنا، كنت أبحث عن شخص يدعى أحمد عرابي".
تغيرت ملامحه فجأة، وقال بصوت متحشرج مصدوم: "وعايزه في إيه؟".
أجبته: "صاحبي في الشغل واختفى فجأة وقلقان عليه".
صمت الرجل قليلاً ثم قال: "تمام.. أنا أعرف والده، عم محمود. سأرسلك لبيته".
في قلب الحارة الضيقة
نادى الرجل صبياً صغيراً في الشارع وأمره: "خذ الأستاذ لبيت عمك محمود أبو عرابي". سرت خلف الصغير وهو يدخل بي في أزقة وحوارٍ ضيقة، كأنها متاهة لا نهاية لها. كان الجو يزداد انقباضاً مع كل خطوة، حتى توقفنا أمام بيت قديم، جدرانه تحكي قصصاً من البؤس، وشكله لا يبشر بخير أبداً.
أعطيت الصغير عشرة جنيهات وصرفته، ثم وقفت أمام الباب المهترئ. طرقتُ بضع طرقات خافتة، فجاءني صوت امرأة من الداخل تسأل: "مين؟".
قلت: "ده بيت أحمد عرابي؟".
أجابت بلهجة مقتضبة: "أيوه.. اتفضل استنى، هناديهولك".
فتحت لي الباب، فدخلت وجلست على "كنبة" متهالكة في مدخل البيت. وبعد لحظات، خرج أحمد.
لم أصدق ما رأته عيناي! لم يكن هذا هو الصديق الذي أعرفه. كان شاحب الوجه، نحيلاً لدرجة مخيفة، والسواد تحت عينيه يوحي بأنه لم يذق طعم النوم منذ عام كامل. كان جسده يرتجف، ونظرته تائهة ومكسورة.
سلمت عليه بلهفة: "أحمد! أنت فين يا راجل؟ وحشتني جداً".
لم ينطق، بل اكتفى بابتسامة باهتة لا حياة فيها، وأشار لي بالدخول إلى "أوضة الضيوف".. وهناك، بدأت أشعر أن هذا البيت يخفي خلف جدرانه ما لا يخطر على بال بشر.بعد أن استعدتُ أنفاسي، وجدته قادماً يحمل صينيةً قديمة باهت لونها، عليها كوبُ ماءٍ مشبر وكوبٌ من عصير المانجو الكثيف. وضعتُ الكوب على شفتي، وفجأةً ترامت إلى ذهني كلمات ذلك الرجل الغامض الذي أرشدني إلى الدار؛ كان صوته يهمس في أذني كفحيح الأفعى: "لا تأكل.. لا تشرب.. لا تنم". في تلك اللحظة، شعرت برعشة باردة تسري في عمودي الفقري، فأعدتُ الكوب إلى مكانه ببطء وهدوء دون أن أرتشف منه قطرة واحدة.
اعتدلتُ في جلستي، أحاول إخفاء ارتباكي، وقلتُ له:
— “إيه يا أخويا الغيبة الطويلة دي؟ مش كنت تفكر ترفع سماعة التليفون وترن تطمنا عليك؟ ده إحنا قلوبنا كانت واكلة علينا نار.”
اعتدل في قعدته، وبدأ يفرك يديه ببعضهما بتوتر ملحوظ، ثم قال بصوت مبحوح:
— “فيك الخير والله يا محمد، أنت أجدع وأرجل من ناس كتير أعرفها.. المهم، أنت عرفت مكاني إزاي؟ ده البيت مقطوع ومحدش يعرفه.”
أجبته وأنا أحاول قراءة ملامحه الذابلة: “اللي بيسأل ميتوهش يا صاحبي، واحد ابن حلال دلني عليك ووصفلي السكة بالظبط.”
حينها، تسمرت نظرات أحمد على كوب العصير الذي لم ينقص مليمتراً واحداً، ولمعت عينه بنظرة غريبة لم أفهمها، وتمتم بسخرية مريرة: “واضح فعلاً إنه ابن حلال قوي!”
فهمتُ تلميحه، فقررت الهجوم بالكلام لأشتت انتباهه: “متشغلش بالك بالكلام ده.. قولي أنت فين واختفيت مرة واحدة كده ليه؟ لا حس ولا خبر، سبت شغلك وبلدك وناسك.. ده أنت مكنتش بتخبي عني دبة النملة، ده إحنا واكلين عيش وملح مع بعض يا جدع!”
أخرج علبة سجائره المجعدة، وسحب واحدة بيده التي كانت ترتجف قليلاً، ثم قال وهو ينفث الدخان الكثيف:
— “مكنش ينفع أقول إني مفارق، لأني مكنتش هلاقي سبب أقنعكم بيه.. أصلاً مفيش عقل بني آدم هيصدق اللي أنا وأهلي بنمر بيه الفترة دي.”
اقتربتُ منه، وسحبتُ منه سيجارة قائلًا: "معلش أصل سجايري وقعت مني وأنا جاي في الطريق"، ثم ركزتُ نظري في عينيه الغائرتين: “والله يا أحمد أنت عارف معزتك عندي، يعني أقل حاجة كنت تبلغني.. لكن فجأة ألاقيك فص ملح وداب؟ ده شيء مش منطقي ولا يصح يا ابن الأصول.”
سكت أحمد طويلاً، وساد الصمت الغرفة لدرجة أنني بدأت أسمع دقات قلبي، فتابعتُ: “هو في إيه يا صاحبي؟ إيه اللي غير حالك كده؟ أنت شكلك كبرت عشرين سنة في كام شهر!”
هنا، رمى أحمد السيجارة على الأرض بحدة، وأطبق بيديه على رأسه وكأنه يحاول منع انفجارها، وفجأة.. **انفجر بالبكاء كالطفل اليتيم.
ارتميتُ بجانبه أربتُ على كتفه بقلق: “مالك يا أحمد؟ في إيه لكل ده؟ وقعت قلبي في رجلي!”
قال من بين شهقاته المكتومة: “أنا مش عارف يا محمد ليه بيحصل فينا كل ده! ده إحنا عمرنا ما أذينا حد، بنمشي جنب الحيط ونقول يا رب الستر، ليه الأذية تدخل بيتنا من أوسع أبوابها؟”
قلت له بصوت حازم: “طب اهدى بس واشرب ميه وفهمني، يمكن أقدر أمد لك إيدي.”
مسح دموعه بظاهر يده، وقام نحو باب الغرفة بخطوات ثقيلة، وأغلقه بإحكام ثم أدار المفتاح دورة كاملة. عاد وجلس بجانبي، وأخذ نفساً طويلاً كأنه يستعد للغوص في بئر مظلم:
— “يا محمد، أخويا الكبير متجوز بقاله 5 سنين، ولحد كام شهر فاتوا كنا فاكرين إن ربنا مش رايد لهم خلفة. كل ما كنا نقوله يا محمد يا أخويا في دكتور كويس في المحافظة تعال نكشف عنده، كان يرفض بجمود ويقول أنا راضي وصابر.. لحد ما اكتشفنا الكارثة.”
ابتلع ريقه بصعوبة وتابع:
— “أخويا بقاله 5 سنين شايل جبل على كتافه.. كل ما يطفي النور ويقرب من مراته، ملامحها بتتشوه قدام عينه، جلدها بيتحول للون رمادي وعنيها بتنطفي وبتبقى زي جثة هامدة أو شيء مرعب ملوش وصف، كأنه معاشر واحدة من الجن! فضل يحرق في نفسه لحد ما انهار وحكى، ومن وقتها وإحنا بنلف على المشايخ، والكل أجمع إن البنت معمول لها عمل أسود بالدم.”
واستطرد والذعر يملأ نبرة صوته:
— "لكن الموضوع مخلصش هنا، ده بدأ يقلب علينا كلنا! البيت بقى كأنه مسكون باللعنة.. أنا بقالي 4 شهور مبردش عيني، بشوف خيالات في ضلمة الطرقة، بسمع أصواتهم بتهددني بالموت في ودني، أمي بتصحي تصوت وتقول حد بيخنقني في المنام.. إحنا بنعيش الجحيم صاحيين ونايمين
عاد أحمد للبكاء الهستيري، وأنا شعرت بالهواء ينسحب من الغرفة. في تلك اللحظة، طُرق الباب ثلاث طرقات منتظمة وباردة، وجاء صوت والدته من خلف الخشب كأنه صدى بعيد: “يا أحمد، أنا نظفت لكم أوضة المسافرين .”
نظر إليّ أحمد بعيون حمراء وقال: “يلا يا محمد عشان تريح.”
قلتُ بزهول وأنا أقوم من مكاني: “يلا فين؟ أنا لازم أتحرك دلوقتي حالا عشان ألحق أي ميكروباص يرجعني قبل الدنيا ما تليل.”
نظر إليّ نظرة غريبة، نظرة فيها شفقة ممزوجة بخوف، وقال ببرود: “الليل ليل خلاص يا محمد، والساعة عدت عشرة، مفيش نملة بتتحرك في البلد دلوقتي.”
صعقت؛ فتحتُ هاتفي لأجد الساعة بالفعل العاشرة والربع ليلاً! كيف؟ لقد دخلتُ البيت والعصر لم يؤذن بعد! كيف سُرقت عشر ساعات من عمري في جلسة واحدة؟ تملكني الرعب، لكن أحمد حلف بأغلظ الأيمان ألا أخرج في هذا الظلام: “لو قلقان من كلامي، تعال أوديك بيت عمي ورا السكة بات هناك ولما الشمس تطلع توكل على الله.”
شعرتُ بالخجل، ولم أرد أن أظهر بمظهر الجبان أمام صديقي المنكسر، فابتسمتُ له بتصنع، وأمسكتُ كوب العصير وشربته كله في جرعة واحدة كأنني أتحدى المجهول، وقلت له:
— " أصل اللي دلني على بيتكم مكنش ابن حلال قوي وشكله عايز يوقع
تحركتُ خلفه في الطرقة المظلمة نحو "غرفة المسافرين".
عاوزك تحطلي عنوان مناسب للمقاله دي ونبزه مختصره عنها وتكتبلي برومت للصوره المصغره