صرخة تحت الأرض

صرخة تحت الأرض
لم يكن الطريق إلى قرية “اللعنة” مأهولًا منذ سنوات. الرمال كانت تبتلع بقايا الطريق القديم، والرياح تصفر بين البيوت المهدمة كأنها أرواح حبيسة تبحث عن مخرج. عندما وصل مروان إلى هناك مع حلول الغروب، شعر بأن المكان يراقبه. لم يكن يؤمن بالخرافات، لكنه لم يستطع تجاهل ذلك الإحساس الثقيل الذي ضغط على صدره منذ أن وطأت قدماه حدود القرية.
جاء مروان بحثًا عن أخيه الأكبر “حسام”، الذي اختفى قبل أسبوعين أثناء تصويره لفيلم وثائقي عن الأماكن المهجورة. الشرطة أغلقت القضية سريعًا بعدما فشلت في العثور على أي دليل، لكن مروان رفض تصديق أن أخاه اختفى هكذا ببساطة.
دخل أول منزل وجده مفتوحًا. الباب الخشبي أصدر صريرًا طويلًا كأنه يئن من الألم. الغبار غطى كل شيء، والأثاث كان محطمًا بطريقة غريبة، كأن عاصفة عنيفة مرت من الداخل فقط. بينما كان يتفقد المكان، لمح كلمات محفورة على الحائط:
“لا تنزل تحت الأرض.”
تجمد للحظة، ثم ضحك ساخرًا ليخفي خوفه. ظن أنها مجرد مزحة قديمة، لكنه فجأة سمع صوتًا خافتًا يشبه الهمس.
“مروان…”
استدار بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.
بدأ قلبه يخفق بعنف، وأمسك بمصباحه اليدوي بقوة. الصوت عاد مرة أخرى، هذه المرة أوضح وأقرب.
“أنقذني…”
كان صوت حسام.
ركض مروان بين الغرف حتى وصل إلى باب حديدي صغير مخفي أسفل سجادة متعفنة. عندما رفعها، انبعثت رائحة رطوبة وعفن خانقة. تردد لثوانٍ، لكنه فتح الباب ونزل الدرج الحجري المظلم.
كل خطوة للأسفل كانت تجعل الهواء أبرد. الجدران ضيقة ومغطاة بخطوط سوداء تشبه آثار أظافر بشرية. وبعد دقائق من النزول، وصل إلى ممر طويل يمتد في الظلام.
ثم سمع الصرخة.
صرخة مرعبة جعلت الدم يتجمد في عروقه.
رفع المصباح باتجاه الصوت، فرأى شيئًا يقف في نهاية الممر. جسد طويل وهزيل، وذراعان تتدليان بطريقة غير طبيعية. لم تظهر ملامحه بوضوح، لكن عينين حمراوين كانتا تلمعان وسط الظلام.
تراجع مروان مذعورًا، إلا أن الكائن بدأ يتحرك نحوه ببطء، بينما يصدر صوت طقطقة كأن عظامه تتكسر مع كل خطوة.
حاول مروان الركض، لكنه سمع عشرات الهمسات تخرج من الجدران:
“ابق معنا…”
“لا تتركنا…”
“لقد تأخر الوقت…”
أخذ يركض بلا اتجاه داخل الأنفاق المتشعبة، حتى وجد غرفة واسعة تتوسطها حفرة عميقة. حول الحفرة كانت توجد عشرات الجثث الجافة، وكأنها ظلت هناك لعقود.
وفي وسط الغرفة… كان حسام.
لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.
كان واقفًا بلا حركة، وجهه شاحب وعيناه سوداوان بالكامل. ابتسم ببطء وقال بصوتٍ أجش:
“لماذا تأخرت يا مروان؟ نحن كنا ننتظرك.”
تراجع مروان وهو يرتجف، ثم لاحظ أن أجساد الجثث بدأت تتحرك ببطء، وأصابعها اليابسة تنغرس في الأرض وهي تزحف نحوه.
صرخ بأعلى صوته وركض نحو المخرج، بينما كانت الضحكات تتردد خلفه في الأنفاق. ظل يركض حتى خرج أخيرًا من الباب الحديدي، ثم أغلقه بعنف.
لكن عندما التقط أنفاسه، سمع صوت طرق خافت يأتي من أسفل الباب.
ثم صوت حسام:
“مروان… افتح الباب… أنا ما زلت هنا.”
تراجع ببطء، وعيناه مليئتان بالرعب، قبل أن يلاحظ شيئًا جعله يتجمد مكانه…
آثار أقدام مبتلة بالطين كانت تمتد خلفه داخل المنزل.
وكأن شيئًا ما خرج معه من النفق.