الدميه إليونور التي لاتمزح أبدا

الدميه إليونور التي لاتمزح أبدا

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

العنوان: "إليونور".. الدمية التي لا تمزح أبداً

في زوايا العالم المنسية، توجد أشياء خُلقت لتبقى ساكنة، أشياء تحمل في جوفها أرواحاً لا تعرف السلام. هذه هي قصة الدمية "إليونور"، قصة لا تختلف كثيراً عن أسطورة "أنابيل" الشهيرة، بل ربما تحمل في طياتها رعباً أشد قسوة؛ لأن "إليونور" لم تكن مجرد دمية مسكونة، بل كانت كياناً يتغذى على الخوف، ولا يمزح أبداً.

“الاكتشاف الملعون”

بدأت القصة في خريف عام 2018، عندما قررت "نادية"، وهي شابة في منتصف الثلاثينيات مهووسة بجمع التحف القديمة، زيارة بلدة صغيرة ومعزولة في ريف إنجلترا. كانت نادية تبحث عن قطع نادرة لإضافتها إلى مجموعتها، وقادها شغفها إلى متجر عتيق تفوح منه رائحة الخشب المتعفن والغبار، يُدعى "كنوز الزمن الغابر".

كان المتجر مليئاً بالأشياء الغريبة: ساعات متوقفة، مرايا معتمة، وصناديق موسيقية تصدر ألحاناً حزينة. لكن وسط كل هذه الفوضى، جذب انتباه نادية شيء واحد محدد.. دمية من البورسلين تجلس على كرسي خشبي صغير في أظلم زاوية في المتجر.

كانت الدمية ترتدي فستاناً فيكتورياً باهت اللون، ذا تفاصيل دقيقة من الدانتيل الذي تحول لونه إلى الأصفر بفعل الزمن. شعرها كان أسود فاحماً وحقيقياً بشكل مثير للاشمئزاز، لكن ما كان يبث الرعب حقاً هو وجهها. لم تكن تبتسم كباقي الدمى، بل كانت ملامحها قاسية، وحاجباها معقودين في عبوس دائم، وعيناها الزجاجيتان كانتا رماديتين، واسعتين، وتحدقان في الفراغ بطريقة تجعلك تشعر أنها تخترق روحك.

image about الدميه إليونور التي لاتمزح أبدا

اقتربت نادية منها بفضول غريب، وكأن خيطاً خفياً يسحبها نحوها. سألت صاحب المتجر، وهو رجل عجوز ذو ظهر منحنٍ وعينين متعبتين، عن ثمنها.

تغيرت ملامح العجوز، وتراجع خطوة إلى الوراء وكأنه يخشى الاقتراب منها، وقال بصوت مرتجف: “هذه ليست للبيع يا ابنتي. إنها 'إليونور'.. وهي لا تحب الغرباء، ولا تحب المزاح.”

لكن إصرار نادية كان أقوى من تحذيرات العجوز. وبعد محاولات عديدة وعرض مبلغ مالي كبير، وافق العجوز على مضض، لكنه همس لها وهو يسلمها إياها في صندوق خشبي: “لا تنظري في عينيها طويلاً قبل النوم، ولا تدعيها تغضب.”

عادت نادية إلى منزلها في المدينة، حيث تعيش مع زوجها "يوسف" وابنتهما "ليلى" ذات السبع سنوات. بمجرد أن أخرجت نادية الدمية من الصندوق، ساد صمت غريب في المنزل. توقف الكلب "رعد" عن النباح، وتراجع إلى زاويته يئن بخفوت وهو يحدق في الدمية بشعر يقف على ظهره.

لم يعجب يوسف منظر الدمية على الإطلاق، وقال ممتعضاً: “لماذا أحضرتِ هذه الكارثة إلى هنا؟ إنها مخيفة وتبدو وكأنها تحمل حقداً دفيناً.”

تجاهلت نادية تعليقاته، ووضعت "إليونور" على رف زجاجي في غرفة المعيشة، معتقدة أنها ستكون قطعة مميزة في مجموعتها.

في الأيام الأولى، لم يحدث شيء يذكر، سوى شعور عام بالبرودة يسري في غرفة المعيشة مهما كانت المدفأة تعمل بأقصى طاقتها. لكن الأمور بدأت تأخذ منحنى مرعباً في الليلة الرابعة.

استيقظت نادية في منتصف الليل لتبحث عن كوب من الماء. عندما مرت بغرفة المعيشة، لاحظت شيئاً جعل الدم يتجمد في عروقها. الدمية لم تكن على الرف الزجاجي.

أشعلت النور بسرعة، لتجد "إليونور" جالسة على الأريكة، ووجهها موجه تماماً نحو باب غرفة نوم ليلى. ظنت نادية أن يوسف كان يمزح معها، فوضعت الدمية غاضبة في مكانها وعادت للنوم. لكن في الصباح، أقسم يوسف بأنه لم يغادر السرير طوال الليل.

تطورت الأحداث بسرعة مرعبة. بدأت ليلى، الطفلة البريئة، تتحدث مع نفسها في غرفتها. عندما سألتها نادية عمن تتحدث معه، أشارت الطفلة ببرود إلى الصالة وقالت: “مع إليونور.. إنها تخبرني بقصص عن أطفال ذهبوا ولم يعودوا.”

أصاب الذعر قلب نادية. قررت إخفاء الدمية في خزانة مغلقة في القبو. لكن القبو أصبح مركزاً للرعب.

في إحدى الليالي، استيقظ يوسف ونادية على أصوات خدش عنيفة تأتي من الأسفل. أصوات أظافر تحفر في الخشب، مصحوبة بهمهمات منخفضة لا يمكن أن تكون بشرية. نزل يوسف ببطء، مسلحاً بمصباح يدوي وعصا معدنية. وعندما فتح باب القبو، هبت عليه رائحة عفونة شديدة تشبه رائحة اللحم المتعفن.

image about الدميه إليونور التي لاتمزح أبدا

وجه المصباح نحو الخزانة، ليجد بابها مفتوحاً على مصراعيه، والدمية "إليونور" ليست بداخلها. فجأة، سمع صوت خطوات صغيرة وسريعة تركض خلفه في الظلام. استدار بسرعة، لكنه لم يرَ شيئاً. وعندما عاد بنظره إلى الدرج ليصعد، وجد الدمية جالسة على الدرجة العلوية، تنظر إليه من أعلى بعبوسها المعتاد، لكن هذه المرة.. كانت عيناها الزجاجيتان تعكسان ضوء المصباح بوميض أحمر شيطاني.

لم يعد هناك مجال للشك؛ المنزل أصبح مسكوناً بكيان خبيث. قرر يوسف التخلص من الدمية نهائياً. في صباح اليوم التالي، أخذ الدمية، وضعها في كيس قمامة أسود سميك، وقاد سيارته لمسافة تبعد أكثر من 50 كيلومتراً، وألقاها في مكب للنفايات المهجورة، ثم أحرق الكيس بالبنزين ليتأكد من فنائها.

عاد يوسف إلى المنزل وهو يشعر بانتصار كبير، وتنفست العائلة الصعداء. مرت ليلة هادئة، ظنوا فيها أن الكابوس قد انتهى.

لكن في الليلة التالية، هبت عاصفة رعدية عنيفة قطعت التيار الكهربائي عن الحي بأكمله. جلس يوسف ونادية في غرفة المعيشة على ضوء الشموع، عندما سمعوا صرخة مرعبة تمزق سكون الليل، صرخة قادمة من غرفة ليلى.

ركض الأبوان نحو الغرفة، لكن الباب كان مقفلاً من الداخل. ضرب يوسف الباب بجسده بكل ما أوتي من قوة حتى انكسر.

المشهد داخل الغرفة كان كافياً لإفقاد أي إنسان عقله.

النافذة كانت مفتوحة، والرياح والأمطار تضرب الغرفة بقسوة. ليلى كانت متكورة في زاوية السرير تبكي بهستيريا، وتغطي رأسها بيديها. وعلى حافة السرير، وقفت "إليونور".

لم تكن محترقة، لكن فستانها كان ملطخاً بالطين والرماد. وما كان أكثر رعباً هو وجهها.. لأول مرة منذ أن اشترتها نادية، لم تكن الدمية عابسة.

لقد كانت تبتسم. ابتسامة واسعة، مشوهة، غير متناسقة، كشفت عن أسنان صغيرة حادة لم تكن موجودة من قبل. وفي يدها اليمنى الصغيرة المصنوعة من البورسلين، كانت تمسك بخصلة من شعر ليلى الذي تم قصه للتو. 

الفصل الخامس: الكابوس الليلي

image about الدميه إليونور التي لاتمزح أبدا

صرخت نادية واندفع يوسف نحو الدمية، لكن بمجرد أن لمسها، شعر بصعقة كهربائية باردة ألقت به إلى الخلف، وسقطت الدمية على الأرض تعود إلى جمودها التام، وعادت ملامحها إلى العبوس القاسي وكأن شيئاً لم يكن.

في تلك الليلة، غادرت العائلة المنزل ولم تعد إليه أبداً. تواصلوا مع خبراء في الماورائيات ورجال دين. وبعد تحقيقات مرعبة أكدت وجود كيان شيطاني قديم يتخذ من الدمية وعاءً له، تم الاتفاق على أن تدمير الدمية قد يحرر الكيان بالكامل، وهو ما حدث عندما حاول يوسف حرقها فزادت قوتها.

تمت السيطرة على الدمية بصعوبة بالغة، وصُنع لها صندوق خاص من خشب البلوط المقدس، ودُعمت جدرانه بالزجاج وصُلب من الداخل بمسامير حديدية، وتم ختمه بآيات وصلوات لمنع الكيان من التأثير على الخارج.

اليوم، تقبع "إليونور" في قبو سري ومؤمن، لا يراها أحد، ولا تُفتح خزانها أبداً. وقد كُتبت على واجهة الصندوق الزجاجي لافتة تحذيرية واحدة بخط أحمر عريض:

“لا تلمس الصندوق.. لا تتحدث إليها.. وقبل كل شيء، لا تنظر في عينيها، لأنها لا تمزح أبداً.”

انتهت قصة نادية وعائلتها مع الدمية، لكن يقال إن من يقترب من ذلك الصندوق المحكم في ليالي الشتاء الباردة، يمكنه أن يسمع صوت طقطقة أصابع من البورسلين تضرب الزجاج من الداخل.. بانتظار أحمق جديد يقرر أن يفتح الباب.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Omar Ahmed تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-