همسات البئر الأسود

همسات البئر الأسود

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

 

 

 

 

همسات البئر الأسود

 

لم يكن "سليم" يؤمن بالخرافات أبدًا. عندما توفي جده وترك له منزلًا قديمًا في قرية معزولة، قرر السفر فورًا لإنهاء إجراءات البيع والعودة إلى المدينة.

كانت القرية شبه مهجورة، والبيوت الحجرية القديمة تقف كالأشباح تحت ضوء القمر الباهت. أثناء وصوله، لاحظ أن السكان القلائل المتبقين كانوا ينظرون إليه بقلق واضح، وكأنهم يعرفون شيئًا لا يعرفه.

في الليلة الأولى، وبينما كان يتفقد المنزل، وجد دفترًا قديمًا يعود لجده. كانت معظم صفحاته ممزقة، لكن جملة واحدة تكررت عشرات المرات بخط مرتجف:

"لا تقترب من البئر بعد منتصف الليل."

ابتسم سليم ساخرًا وأغلق الدفتر.

خلف المنزل مباشرة كان هناك بئر حجري قديم، مغطى بالطحالب السوداء. اقترب منه نهارًا ونظر إلى الداخل، لكنه لم يرَ سوى ظلام كثيف بدا وكأنه يبتلع الضوء نفسه.

عند منتصف الليل، استيقظ فجأة على صوت خافت.

همسة.

ثم أخرى.

ثم عشرات الهمسات.

جلس في فراشه متوترًا. كان الصوت يأتي من الخارج.

فتح النافذة ببطء.

وتجمد الدم في عروقه.

كانت الهمسات تصدر من البئر.

كلمات غير مفهومة، كأن عشرات الأشخاص يتحدثون في وقت واحد.

أغلق النافذة بسرعة وأقنع نفسه بأنها مجرد رياح.

لكن في الليلة التالية، عاد الصوت أقوى.

هذه المرة استطاع تمييز جملة واضحة:

"سليم... انزل إلينا..."

قفز من مكانه.

لم يخبر أحدًا باسمه منذ وصوله.

كيف عرف الصوت من يكون؟

أمسك بمصباح يدوي وخرج نحو البئر رغم خوفه.

كل خطوة كان يخطوها جعلت الهمسات أعلى.

حتى وصل إلى الحافة.

سلط الضوء إلى الداخل.

في البداية لم ير شيئًا.

ثم لمح وجوهًا.

عشرات الوجوه البشرية الملتصقة بجدران البئر.

عيون مفتوحة على اتساعها.

أفواه تتحرك ببطء.

وجوه رجال ونساء وأطفال.

جميعهم يحدقون نحوه.

سقط المصباح من يده وهو يصرخ.

لكن ما رآه بعد ذلك كان أسوأ.

أحد الوجوه لم يكن غريبًا.

كان وجه جده.

ابتسم الجد ابتسامة مشوهة وقال:

"كنت أعلم أنك ستعود."

ركض سليم نحو المنزل مذعورًا وأغلق الأبواب والنوافذ.

لكن الهمسات لم تتوقف.

بل بدأت تصدر من داخل المنزل نفسه.

من الجدران.

من الأرضية.

من السقف.

وفي كل مكان كان يسمع الجملة نفسها:

"أنت التالي..."

مع اقتراب الفجر، سمع طرقًا عنيفًا على باب غرفته.

ثم طرقًا آخر.

ثم عشرات الطرقات.

كأن مئات الأيدي تضرب الباب في الوقت نفسه.

فجأة انشق الباب من المنتصف.

وخرجت منه أيدٍ شاحبة طويلة بشكل غير طبيعي.

أصابعها حادة كالسكاكين.

أمسكت بساقيه وبدأت تسحبه.

صرخ بكل قوته وحاول المقاومة، لكن الأيدي كانت أقوى.

سحبته عبر الممر ثم خارج المنزل باتجاه البئر.

كان يرى عشرات الظلال البشرية تقف حوله بصمت.

وجوه بلا عيون.

وأفواه مفتوحة في ابتسامات مرعبة.

عندما وصل إلى حافة البئر، نظر إلى الأسفل للمرة الأخيرة.

لم يعد يرى وجوهًا فقط.

بل مدينة كاملة مدفونة في الظلام.

آلاف الأشخاص ينظرون إليه من الأعماق.

ينتظرونه.

ثم دفعته الأيدي إلى الداخل.

استمر في السقوط.

ثانية.

دقيقتين.

عشر دقائق.

لم يصل إلى القاع.

وفجأة توقف.

فتح عينيه.

فوجد نفسه ملتصقًا بجدار البئر.

غير قادر على الحركة.

تمامًا مثل بقية الوجوه.

حاول الصراخ.

لكن صوتًا جديدًا خرج من فمه:

"تعال إلينا..."

وفي صباح اليوم التالي، جاء أحد سكان القرية ليتفقد المنزل.

لم يجد أثرًا لسليم.

لكن عندما اقترب من البئر، سمع همسات مألوفة.

رفع رأسه ببطء.

فشاهد وجهًا جديدًا بين الوجوه القديمة.

وجه سليم.

وكان يبتسم.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
mustafa تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-