سكنتني ظلال اللعبة التي لا تنام

سكنتني ظلال اللعبة التي لا تنام

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

image about سكنتني ظلال اللعبة التي لا تنام

سكنتني ظلال اللعبة التي لا تنام

 

في قلب مدينةٍ هادئةٍ، كان "عادل" يبحث عن بداية جديدة بعد رحلة عمل طويلة ومجهدة. استقر في منزل قديم ذي طراز فيكتوري عريق، كان سعره مغرياً لدرجة لا تُصدق، رغم تحذيرات الجيران الغامضة عن تاريخه المريب وتغيير سكانه المستمر. في ليلته الأولى، وبينما كان يفرغ صناديق كتبه وأمتعته في حالة من التعب الشديد، وقعت عيناه على خزانة خشبية عتيقة في زاوية الغرفة المجاورة. لم يلحظها أثناء المعاينة الأولى للمنزل. كانت الدمية تجلس بجمود فوق الخزانة، دميةٌ خشبية قديمة جداً بملابس باهتة وعينين زجاجيتين تلمعان ببريق غير مفسر، وكأنها تراقب كل حركة يقوم بها.

لم يعرها عادل اهتماماً كبيراً في البداية، معتقداً أنها مجرد تحفة فنية من تركات المالك السابق التي نسوا نقلها. لكن مع حلول منتصف الليل، استيقظ عادل فجأة على صوت "طقطقة" خشبية خفيفة قادمة من الغرفة المجاورة. كان الضوء الخافت للقمر يتسلل عبر نافذة الغرفة العالية، يلقي بظلاله الطويلة والمضطربة على الجدران. وعندما نظر باتجاه الخزانة، تجمد الدم في عروقه. لم تكن الدمية في مكانها الأصلي. كانت تقف الآن على حافة الخزانة، ويدها الخشبية الصغيرة تشير بوضوح نحو باب غرفته، وكأنها تدعوه للحضور.

الأكثر رعباً لم يكن حركة الدمية، بل الظل الذي كانت ترسمه على الحائط خلفها. لم يكن ظل دمية صغيرة وبريئة، بل كان ظل كائن ضخم وطويل، ذي أطراف مشوهة وممتدة، يتمدد ويتقلص على الحائط وكأنه يتنفس بانتظام مرعب. حاول عادل إقناع نفسه بأنه مجرد هلاوس ناتجة عن التعب الشديد وتغير المكان، لكن الظل بدأ يتحرك بشكل مستقل تماماً عن الدمية، يزحف ببطء على الجدران متجهاً نحو باب غرفته المفتوح الذي كان يطل على الردهة المظلمة.

شعر عادل ببرودة مفاجئة وجليدية تخترق الغرفة، رغم أنها كانت في ذروة فصل الصيف. توقف الظل عند عتبة الباب، وبدأ يتشكل ليأخذ أبعاداً بشرية أكثر وضوحاً. حاول عادل النهوض ليغلق الباب، لكن جسده كان مشلولاً تماماً تحت تأثير رعبٍ لا يوصف، وكأن قوة خفية تمنعه من الحركة. فجأة، سمع صوتاً خافتاً، يشبه ضحكة طفل مختنقة، تنبعث من خلف الباب، تلاها صرير خشبٍ يتحرك على الأرضية. لم تكن هناك دمية، ولم تكن هناك لعبة؛ كان هناك كيانٌ قديم يسكن في ذلك الظل، ينتظر لحظة الغفلة ليعبر إلى العالم الحقيقي.

في صباح اليوم التالي، وجد عادل نفسه مستلقياً على الأرض في وسط الغرفة، والشمس تملأ المكان بضوئها المطمئن. ظن أنه كان مجرد كابوس مزعج، حتى نظر إلى الحائط. كانت هناك آثار مخالب واضحة ومحفورة بعمق في الخشب، وبقايا طلاء خشبي متناثرة على الأرض. لم يجد الدمية في أي مكان، لكنه ظل يشعر، طوال إقامته، أن عيناً زجاجية غير مرئية تراقبه من خلف الظلال في كل زاوية، وأن الظل الذي رآه لم يكن سوى بداية لشيء أعمق وأكثر ظلمة يسكن هذا المنزل، ينتظر فقط أن تغرب الشمس ليعود للتحرك في أرجاء المكان بصمتٍ موحشٍ ومريب.

لم تكن تلك الليلة سوى بداية لسلسلة من الأحداث التي لا تُفسر. في الليلة التالية، قرر عادل أن يغادر المنزل، لكن عندما حاول فتح باب الغرفة، وجده مقفلاً من الخارج بقوة لا تتناسب مع قفلٍ خشبي قديم. الغرفة التي كانت تبدو عادية نهاراً، تحولت إلى زنزانة في الليل. وفجأة، بدأت الجدران تصدر أصواتاً، كأنها تئن تحت ضغط شيء ما يتحرك خلفها.

لم يعد الظل يظهر على الحائط فحسب، بل بدأت تظهر تشققات في زوايا الغرفة، ومن داخل تلك التشققات، كانت تخرج خيوط سوداء تشبه نسيج العنكبوت، لكنها كانت تتحرك بذكاء، تقترب من أثاث الغرفة وتلتف حول الأشياء وكأنها تستكشفها. عادل، الذي كان يجلس متكوراً في زاوية الغرفة، لاحظ أن الدمية الخشبية قد عادت، لكنها لم تكن على الخزانة هذه المرة، بل كانت جالسةً في منتصف الغرفة تماماً، ووجهها الخشبي المتآكل كان موجهاً مباشرة نحوه.

لم تكن الدمية ساكنة، فقد كان رأسها يهتز ببطء يميناً ويساراً، وكأنها تتابع أنفاسه المتقطعة. فجأة، توقف رأسها، والتفتت عينها الزجاجية الواحدة لتستقر في عيني عادل مباشرة. في تلك اللحظة، شعر عادل وكأن عقله قد غُزي؛ صورٌ غريبة لحياةٍ لم يعشها، وأشخاصٍ لم يعرفهم، تدفقت إلى ذاكرته كالسيل. أدرك حينها أن هذا المنزل ليس مجرد مبنى قديم، بل هو سجن لكياناتٍ لا تملك أجساداً، والدمية كانت هي "المفتاح" أو الجسر الذي يربطهم بعالم البشر.

حاول عادل الصراخ، لكن صوته خُنق في حنجرته. لاحظ أن الظلال التي كانت على الجدران بدأت تخرج منها وتتجسد في الفراغ؛ أشكالٌ رمادية باهتة تقترب منه بخطواتٍ غير مرئية. لم تكن تريد قتله، بل كانت تريد "استبداله". كان عادل يشعر بروحه وهي تنسحب ببطء، وكأن أجزاءً من كيانه تُسحب لتُوضع داخل ذلك الجسد الخشبي الجامد، بينما كان يتخيل الدمية وهي تستعيد دماءها وحياتها.

عندما بزغ فجر اليوم الثالث، فتح الجيران الباب بعد أن ساورهم القلق من غياب عادل. وجدوا الغرفة فارغة تماماً، لا أثر لعادل، ولا أثر للخزانة. الشيء الوحيد المتبقي كان دمية خشبية جديدة تماماً، ذات ملامح غريبة تشبه ملامح عادل، جالسة ببرود في منتصف الغرفة، وعيناها الزجاجيتان تلمعان بذكاء حاد، وكأنها تنتظر المالك القادم للمنزل ليأخذ مكانه.ل في الغرفة المجاوره

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
mohamed gamal تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-