لقد إستيقظ الظل الجزء الرابع

لقد إستيقظ الظل الجزء الرابع

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

 

لقد استيقظ الظل

الفصل الرابع

 

القسم الأول: لا مهرب….. نهاية الهروب

مرت خمسة أيام على وفاة ريم.

ولم يعد أحد في المدينة يتحدث عن شيء سوى الفتاتين اللتين ماتتا في ظروف غامضة خلال أقل من شهر.

الشرطة أعادت فتح ملف اختفاء مريم.

لكن لم يكن لديهم دليل واحد.

جثة لم تُعثر عليها.

ولا شاهد رأى شيئًا.

ولا سبب يربط بين الضحايا.

كل شيء كان يشير إلى أن ما يحدث…

مستحيل.

 

---

أما نجلاء…

فلم تعد تلك المرأة التي يعرفها الجميع.

تحولت إلى شبح يعيش داخل منزله.

ترفض مغادرته.

وترفض استقبال أي زائر.

وكانت كل ليلة…

تجلس أمام نافذة الحديقة.

تنتظر.

لا تعلم ماذا تنتظر.

لكنها كانت متأكدة…

أنه سيعود.

 

---

في الجهة الأخرى…

كانت سارة تعيش حالة من الرعب.

لم تعد ترد على اتصالات أحد.

أغلقت حساباتها على مواقع التواصل.

وتركت الجامعة.

ولم تعد تغادر غرفتها إلا للضرورة.

كانت تقنع نفسها أن ما حدث لرنا وريم مجرد مصادفة.

لكن…

كلما حاولت تصديق ذلك…

تذكرت آخر رسالة أرسلتها لها ريم قبل موتها بساعات.

 “لو حصلي حاجة... اهربي.”

 

 

---

قررت سارة الرحيل.

حجزت أول حافلة إلى مدينة تبعد مئات الكيلومترات.

وقالت لنفسها:

“لو خرجت من هنا... هينتهي كل شيء.”

في صباح اليوم التالي…

غادرت دون أن تخبر أحدًا.

جلست بجوار النافذة.

ومع أول ساعة من الرحلة…

بدأت تشعر بالراحة.

ابتسمت لأول مرة منذ أسابيع.

وأغمضت عينيها.

 

---

استيقظت على صوت السائق.

“وصلنا.”

فتحت عينيها.

نظرت من النافذة.

شحب وجهها.

كانت الحافلة متوقفة…

أمام الحي الذي خرجت منه.

أمام الشارع نفسه.

وأمام منزل نجلاء.

نهضت مذعورة.

“إحنا رجعنا ليه؟!”

نظر إليها الركاب باستغراب.

قال السائق:

“إحنا لسه خارجين من المحطة... أول مرة نقف.”

نظرت إلى الساعة.

لم تكن قد مرت سوى عشر دقائق.

لكنها كانت تقسم…

أنها سافرت أكثر من ساعة.

 

---

نزلت من الحافلة وهي ترتجف.

ركضت دون أن تنظر خلفها.

استوقفت سيارة أجرة.

أعطت السائق عنوان خالتها في المدينة المجاورة.

انطلقت السيارة بسرعة.

ظلت تراقب الطريق.

هذه المرة…

كانت ترى المدينة تبتعد.

تنفست الصعداء.

لكن…

حين دخل السائق أحد الشوارع…

توقفت السيارة.

رفع رأسه باستغراب.

وقال:

“غريبة...”

نظرت سارة أمامها.

كادت تصرخ.

كانت السيارة…

تقف مرة أخرى…

أمام منزل نجلاء.

 

---

لم تعد تفكر.

ركضت بأقصى ما تستطيع.

دخلت أول مسجد صادفته.

جلست في آخر الصفوف.

تبكي.

بقيت هناك حتى غروب الشمس.

ثم خرجت.

أخرجت هاتفها.

اتصلت بوالدتها.

لكن…

كل ما كانت تسمعه…

هو صوت أنفاس بطيئة.

ثم…

صوت طرق.

طَق…

أغلقت الهاتف.

أعادت الاتصال.

الصوت نفسه.

ثم انقطع الخط.

 

---

في تلك الليلة…

نامت عند خالتها.

أغلقت باب الغرفة.

وضعت كرسيًا خلفه.

وتركت المصباح مضاءً.

كانت تريد أن تثبت لنفسها…

أن كل شيء انتهى.

عند الثالثة تمامًا…

استيقظت.

ليس بسبب صوت.

بل لأن الضوء…

انطفأ وحده.

جلست في سريرها.

الغرفة ساكنة.

لكنها شعرت…

أن هناك شخصًا يقف في أحد الأركان.

لم تستطع رؤيته.

لكنها كانت تشعر بنظراته.

حاولت إشعال مصباح الهاتف.

لم يعمل.

بدأت أنفاسها تتسارع.

ثم…

سمعت صوتًا خرج من الظلام.

هادئًا…

ومتعبًا…

كأنه يأتي من شخص بكى طويلًا.

“بعيدًا... أم قريبًا...”

ساد الصمت.

ثم أكمل الصوت:

“الذنب... لا يضيع الطريق.”

شعرت سارة بأن الغرفة تضيق حولها.

أغلقت عينيها بقوة.

وعندما فتحتهما…

عاد النور.

واختفى كل شيء.

لكن…

على الحائط المقابل لسريرها…

كانت هناك آثار خمس أصابع موحلة.

كأن يدًا خرجت من الظلام…

وتركت بصمتها.

تجمدت في مكانها.

وأدركت أخيرًا…

أنها لن تسطيع  الهرب من ذلك الشيء…

الذى لا يعرف معنى المسافات.

 

لم تنم سارة تلك الليلة.

جلست في زاوية الغرفة حتى بزغ ضوء الفجر.

أقنعت نفسها أن كل ما حدث كان نتيجة الخوف.

لكنها، حين همّت بمغادرة الغرفة، توقفت.

كانت آثار اليد الموحلة لا تزال على الحائط.

اقتربت منها.

لمستها بأطراف أصابعها.

كانت رطبة…

كأنها طُبعت قبل لحظات.

 

---

في الصباح…

أصرت خالتها على اصطحابها إلى طبيب.

أخبرتها سارة بأنها ترى أشياء غريبة، وتسمع أصواتًا لا يسمعها أحد.

بعد فحص طويل، ابتسم الطبيب وقال:

“أنتِ تعانين من صدمة نفسية شديدة... تحتاجين فقط إلى الراحة.”

خرجت من العيادة دون أن تنطق بكلمة.

كانت تعرف أن أحدًا لن يصدقها.

 

---

قررت أن تواجه الأمر بنفسها.

عادت إلى المدينة.

لكنها لم تذهب إلى منزلها.

بل اتجهت مباشرة إلى منزل نجلاء.

طرقت الباب.

فتحت نجلاء بوجه شاحب.

تبادلتا النظرات لثوانٍ.

ثم دخلت سارة دون أن تنتظر دعوة.

قالت بصوت مرتجف:

“إحنا لازم نعترف.”

رفعت نجلاء رأسها ببطء.

“فات الأوان.”

“يمكن لو عرف الناس الحقيقة...”

قاطعتها نجلاء:

“هو مش بيدور على الحقيقة...”

سكتت لحظة.

ثم همست:

“...هو بيدور علينا.”

ساد الصمت.

لأول مرة…

شعرت سارة أن نجلاء أصبحت تخاف أكثر منها.

 

---

خرجت من المنزل مع غروب الشمس.

وأثناء سيرها في الشارع…

لاحظت أن الناس ينظرون إليها باستغراب.

لم تفهم السبب.

حتى مرت بجوار واجهة متجر زجاجية.

نظرت إلى انعكاسها.

تراجعت مذعورة.

انعكاسها كان يسير…

لكن خلفه مباشرة…

كانت فتاة أخرى.

تمشي بالسرعة نفسها.

رأسها مائل.

وثيابها ممزقة.

كلما توقفت…

توقفت.

وكلما تحركت…

تحركت.

لكن حين التفتت خلفها…

لم يكن هناك أحد.

 

---

حل الليل.

أغلقت باب غرفتها.

أطفأت الهاتف.

وأزالت المرآة من الحائط.

وقالت لنفسها:

“مش هبص لأي انعكاس تاني.”

جلست على السرير.

وأغمضت عينيها.

ثم…

سمعت صوتًا خافتًا.

ليس طرقًا…

ولا بكاءً.

بل صوت تنفس.

قريب جدًا.

كأن شخصًا يقف بجوار أذنها.

تسارعت أنفاسها.

لكنها لم تفتح عينيها.

سمعت الصوت يبتعد.

ثم عاد من الجهة الأخرى.

ثم من خلفها.

ثم من أمامها.

كأن الغرفة امتلأت بأشخاص لا تراهم.

 

---

لم تعد تحتمل.

فتحت عينيها.

كانت الغرفة فارغة.

لكن…

على الجدار المقابل…

بدأت قطرات ماء سوداء تنساب ببطء.

ثم تجمعت.

لتشكل كلمات.

“لا تنسي.”

اختفت الكلمات.

ثم ظهرت أخرى.

“لقد ضحكتِ.”

بدأت سارة تبكي.

“أنا آسفة...”

ساد الصمت.

ثم انطفأ المصباح.

 

---

في الظلام…

بدأت تسمع الضحكات.

ضحكاتها هي.

وضحكات ريم.

وضحكات رنا.

كما كانت في ذلك اليوم.

ثم…

تحولت الضحكات تدريجيًا…

إلى صوت استغاثة واحدة.

“ساعدوني...”

وضعت يديها على أذنيها.

لكن الصوت أصبح داخل رأسها.

سقطت على ركبتيها.

وهي تردد:

“سامحيني... سامحيني...”

وفجأة…

اختفى كل شيء.

صمت.

تام.

 

---

في صباح اليوم التالي…

لم تجب سارة على اتصالات أسرتها.

كسر والدها باب غرفتها.

وجدها جالسة على الأرض.

تسند ظهرها إلى الحائط.

وعيناها مفتوحتان.

تنظران إلى السقف.

كانت قد فارقت الحياة.

ولم يكن في جسدها أي جرح.

لكن…

على الحائط الذي أمامها…

ظهرت جملة كُتبت ببخار أسود.

“الضحكة الأخيرة... كانت لك.”

وصلت الشرطة.

فتشوا الغرفة.

لم يجدوا أثرًا لشخص دخل أو خرج.

كما حدث مع رنا وريم.

سُجلت الوفاة مرة أخرى…

كحالة غامضة.

 

---

في تلك الليلة…

كانت نجلاء تجلس وحدها في غرفة ابنتها الراحلة.

رن هاتفها.

ارتجفت يدها قبل أن تفتحه.

كانت رسالة جديدة.

هذه المرة…

لم تحتوِ إلا على كلمتين.

“بقي واحد.”

سقط الهاتف من يدها.

وبدأت تبكي.

لأنها كانت تعرف…

أن الاسم الأخير…

يتبع……..

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mariam تقييم 5 من 5.
المقالات

9

متابعهم

4

متابعهم

7

مقالات مشابة
-