همسات من خلف الباب الأسود

همسات من خلف الباب الأسود
في أقصى أطراف القرية، حيث تنتهي الطرق المعبدة وتبدأ الأشجار العملاقة بابتلاع الضوء، كان هناك منزل قديم يثير الخوف في نفوس الجميع. لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منه بعد غروب الشمس، حتى الأطفال الذين اعتادوا اللعب في الحقول المجاورة كانوا يركضون بعيدًا عند رؤيته.
كان المنزل ملكًا لرجل عجوز يُدعى "حسن"، عاش فيه وحيدًا حتى وفاته الغامضة قبل عشرين عامًا. ومنذ ذلك الحين، بقي المنزل مهجورًا، تتآكل جدرانه بفعل الزمن، وتصدر نوافذه أصواتًا غريبة كلما هبت الرياح.
في إحدى الليالي، عاد حفيده "آدم" إلى القرية بعد غياب طويل. كان قد ورث المنزل، وقرر بيعه بعد أن سمع أن الأرض التي بُني عليها أصبحت ذات قيمة كبيرة.
وصل آدم قبل المغيب بقليل. فتح الباب الرئيسي بصعوبة بعد أن التصق الخشب بإطاره من الرطوبة. وما إن دخل حتى شعر ببرودة غير طبيعية، وكأن الهواء داخل المنزل لم يتحرك منذ سنوات.
أضاء مصباحه اليدوي وبدأ يتجول بين الغرف المغطاة بالغبار. كانت كل الأشياء كما تركها جده: الكتب القديمة، الكراسي المهترئة، والساعات المتوقفة عند نفس التوقيت.
لكن شيئًا لفت انتباهه في نهاية الممر الطويل.
كان هناك باب أسود.
لم يكن يشبه بقية الأبواب في المنزل.
كان أغمق من الظلام نفسه، وكأن الضوء يختفي عند ملامسته. والأغرب من ذلك أن الباب لم يكن موجودًا في ذكرياته رغم أنه قضى جزءًا من طفولته في هذا المنزل.
اقترب منه بحذر.
وجد عليه عشرات الخدوش العميقة، وكأن شخصًا ما حاول الخروج من الداخل بأظافره.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
حاول تجاهل الأمر وأكمل جولته، لكنه بدأ يسمع أصواتًا خافتة.
في البداية ظنها صوت الرياح.
ثم أدرك أنها همسات.
همسات تأتي من خلف الباب الأسود.
تراجع للخلف وهو يحاول إقناع نفسه بأن الأمر مجرد أوهام بسبب الإرهاق. لكنه عندما اقترب أكثر، استطاع تمييز الكلمات.
"افتح الباب..."
ارتجفت يداه.
"افتح الباب... لقد اشتقت إليك."
كان الصوت يشبه صوت والدته التي توفيت قبل سنوات.
تجمد في مكانه.
كيف يمكن ذلك؟
وضع أذنه على الباب.
فسمع ضحكة قصيرة أعقبها بكاء طفل.
ثم صوت امرأة تصرخ طلبًا للنجدة.
ابتعد بسرعة وهو يلهث.
في تلك الليلة لم يستطع النوم. كلما أغمض عينيه سمع الهمسات تزداد وضوحًا. كانت الأصوات تناديه باسمه، وتخبره بأشياء لا يعرفها أحد سواه.
عند منتصف الليل، استيقظ على صوت طرقات قوية.
طرق... طرق... طرق...
كانت تأتي من خلف الباب الأسود.
أمسك المصباح وسار نحو الممر.
كل خطوة كانت أثقل من سابقتها.
وعندما وصل، وجد أن الباب يهتز بعنف.
كأن شيئًا ضخمًا يحاول الخروج.
لكن فجأة توقف كل شيء.
ساد الصمت.
ثم سمع صوت جده.
"لا تفتحه يا آدم."
استدار مذعورًا.
لم يكن هناك أحد.
عاد الصوت مرة أخرى من خلفه.
"إذا فتحته... لن تستطيع إغلاقه أبدًا."
لكن الفضول كان قد سيطر عليه بالكامل.
بحث في المنزل حتى عثر على مفتاح قديم مخبأ داخل كتاب مهترئ.
عاد إلى الباب.
كانت الهمسات قد تحولت إلى عشرات الأصوات المتداخلة.
أصوات رجال ونساء وأطفال.
جميعهم يرددون نفس العبارة:
"افتح الباب."
أدخل المفتاح.
دار القفل ببطء.
ثم انفتح الباب.
في البداية لم ير شيئًا.
فقط ظلامًا كثيفًا.
لكن بعد لحظات بدأت تظهر وجوه.
عشرات الوجوه الشاحبة.
بعيون سوداء فارغة.
كانت تطفو داخل الظلام وكأنها غارقة في بحر لا نهاية له.
تراجع آدم مرعوبًا.
لكن إحدى الوجوه ابتسمت.
كانت والدته.
أو شيء يشبهها.
مدت يدها نحوه.
ثم تحولت ابتسامتها إلى تعبير مشوه ومخيف.
وفجأة اندفعت جميع الوجوه نحوه دفعة واحدة.
صرخ وسقط أرضًا.
حاول إغلاق الباب، لكنه لم يتحرك.
بدأت الأيدي تخرج من الظلام.
أيدٍ طويلة وهزيلة بأصابع حادة.
أمسكت بساقيه وسحبته نحو الداخل.
كان يسمع صراخ آلاف الأشخاص في آن واحد.
وقبل أن يختفي تمامًا، لمح جملة محفورة داخل إطار الباب:
"كل من يفتح الباب يصبح جزءًا منه."
في صباح اليوم التالي، مر أحد سكان القرية بالقرب من المنزل.
لاحظ أن الباب الرئيسي مفتوح.
دخل لينادي على آدم، لكنه لم يجد أحدًا.
كان المنزل فارغًا تمامًا.
باستثناء شيء واحد.
في نهاية الممر الطويل، كان الباب الأسود لا يزال موجودًا.
وعليه خدش جديد.
خدش كُتب فيه بوضوح:
"ساعدوني... أنا آدم."
ومنذ ذلك اليوم، عاد الناس لسماع الهمسات كل ليلة.
وكان بعضهم يقسم أنه يسمع صوت شاب يستغيث من خلف الباب، طالبًا النجدة.
لكن أحدًا لم يجرؤ على الاقتراب مرة أخرى.