همسات تحت السرير

همسات تحت السرير
كان المطر يهطل بغزارة عندما وصل كريم إلى المنزل القديم الذي ورثه عن جده. كان المنزل يقع في طرف قرية صغيرة معزولة، تحيط بها أشجار كثيفة تمنع ضوء الشمس من الوصول إلى الأرض في معظم الأوقات.
منذ اللحظة الأولى شعر كريم بأن شيئًا غريبًا يحيط بالمكان. كانت الجدران مغطاة بالشقوق، والأرضية الخشبية تصدر أصواتًا مزعجة مع كل خطوة. لكنه أقنع نفسه أن الأمر طبيعي بسبب قدم المنزل.
في الليلة الأولى، وبينما كان يحاول النوم، سمع صوتًا خافتًا يأتي من أسفل سريره.
“كريم…”
فتح عينيه بسرعة وجلس على السرير. ساد الصمت لثوانٍ طويلة، ثم اختفى الصوت تمامًا.
اعتقد أنه كان يحلم، فعاد للنوم.
لكن في الليلة التالية عاد الصوت مرة أخرى.
“كريم… انزل إليّ…”
هذه المرة كان الصوت أوضح وأكثر قربًا.
قفز من السرير وأشعل المصباح. نظر أسفل السرير فلم يجد شيئًا سوى الغبار وبعض الصناديق القديمة.
مرّت الأيام وازدادت الهمسات. لم تعد تقتصر على الليل فقط، بل بدأ يسمعها حتى أثناء النهار.
ذات مساء، قرر تفتيش المنزل بالكامل. أثناء بحثه في القبو، وجد صندوقًا خشبيًا مغلقًا بقفل صدئ. وبعد جهد كبير تمكن من فتحه.
وجد بداخله دفترًا قديماً يعود إلى جده.
بدأ يقرأ الصفحات بفضول، لكن ملامحه تحولت إلى الرعب شيئًا فشيئًا.
كانت المذكرات تتحدث عن طفل اختفى قبل أكثر من خمسين عامًا في القرية. اتهم السكان آنذاك رجلاً غريبًا بالسحر، لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
كتب الجد في إحدى الصفحات:
“لقد دفنّا السر تحت المنزل. لو عاد الصوت يومًا، فلا تستجب له مهما حدث.”
شعر كريم بقشعريرة تسري في جسده.
في تلك الليلة كانت العاصفة أقوى من أي وقت مضى.
وعند منتصف الليل تمامًا، استيقظ على صوت طرقات قوية تحت السرير.
طرق… طرق… طرق…
ثم جاء الهمس.
“لقد وجدتها… الآن أخرجني.”
بدأ السرير يهتز بعنف.
تراجع كريم إلى زاوية الغرفة وهو يرتجف.
فجأة انفتحت ألواح الأرضية تحت السرير من تلقاء نفسها، وظهر فراغ مظلم لا يمكن رؤية نهايته.
ومن داخل الظلام خرجت يد شاحبة طويلة ذات أصابع غير طبيعية.
ثم يد أخرى.
ثم وجه طفل بعيون سوداء بالكامل.
كان يبتسم.
قال الطفل بصوت مبحوح:
“لقد انتظرت طويلًا.”
حاول كريم الهرب، لكن باب الغرفة أغلق بقوة.
انطفأت الأضواء.
أصبح الظلام مطبقًا.
بدأ يسمع عشرات الأصوات تهمس من كل اتجاه.
“ابق معنا…”
“لا ترحل…”
“انزل إلينا…”
شعر بشيء يلتف حول قدميه ويسحبه نحو الفتحة.
صرخ بكل قوته وحاول التمسك بالأرض، لكن الأيدي الخارجة من الظلام كانت أقوى.
وفي اللحظة الأخيرة تذكر الصليب القديم الذي وجده في صندوق جده.
أخرجه من جيبه ورفعه أمامه.
انطلقت صرخة مرعبة هزّت أرجاء المنزل.
اختفت الأيدي فجأة، وأغلقت الفتحة نفسها كما لو أنها لم تكن موجودة أبدًا.
في صباح اليوم التالي غادر كريم القرية دون أن يلتفت خلفه.
لكن بعد أشهر، عثرت عائلة جديدة على المنزل واشترته بثمن زهيد.
وفي أول ليلة لهم هناك…
سمعت طفلتهم الصغيرة صوتًا خافتًا يأتي من تحت ال