البئر الذي يهمس بالأسماء

البئر الذي يهمس بالأسماء

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

 

البئر الذي يهمس بالأسماء

 

في أطراف قرية قديمة تحيط بها الجبال من كل جانب، كان هناك بئر مهجور يقف وحيدًا وسط حقل جاف. لم يكن أحد يقترب منه، ليس لأنه عميق أو خطير، بل لأن أهل القرية كانوا يؤمنون أن شيئًا شريرًا يسكن في أعماقه.

كانت الأساطير تقول إن البئر يهمس بأسماء الناس في الليل، ومن يسمع اسمه ويقترب منه يختفي إلى الأبد.

مرّت السنوات وتحولت القصة إلى مجرد حكاية يتداولها الكبار، لكن الشاب "ياسين" لم يكن يؤمن بالخرافات. كان طالبًا جامعيًا يحب استكشاف الأماكن الغامضة وتصويرها ونشر قصصها على الإنترنت.

في إحدى العطل الصيفية عاد إلى قريته، وقرر أن يصور البئر المهجور ليثبت للجميع أن الحكايات القديمة لا أساس لها من الصحة.

عند غروب الشمس حمل كاميرته ومصباحًا قويًا واتجه نحو الحقل.

كلما اقترب من البئر شعر بأن الهواء أصبح أبرد بشكل غريب. حتى أصوات الحشرات اختفت فجأة وكأن الطبيعة نفسها ترفض الاقتراب من المكان.

وصل أخيرًا إلى البئر.

كان مبنيًا من حجارة سوداء قديمة، وتغطيه تشققات عميقة. نظر إلى الداخل فلم يرَ سوى ظلام كثيف لا نهاية له.

ثبت الكاميرا وبدأ التصوير.

قال وهو يبتسم:

"كما ترون، لا يوجد شيء مخيف هنا. مجرد بئر قديم صنع الناس حوله قصصًا مرعبة."

في تلك اللحظة سمع صوتًا خافتًا جدًا.

ظن في البداية أنه صوت الرياح.

لكن الصوت تكرر.

ثم سمع بوضوح:

"ياسين..."

تجمد في مكانه.

أغلق الكاميرا ونظر حوله بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

عاد الصوت مرة أخرى، هذه المرة من داخل البئر مباشرة.

"ياسين..."

ارتجفت يداه، لكنه حاول السيطرة على خوفه.

أخرج المصباح وسلط الضوء إلى الأسفل.

في البداية لم ير شيئًا.

ثم لمح شيئًا يتحرك في الظلام.

شيئًا يشبه وجه إنسان.

تراجع خطوة إلى الخلف.

لكن الوجه بدأ يرتفع ببطء من الأعماق.

لم يكن وجهًا طبيعيًا.

كانت عيناه فارغتين تمامًا، وفمه مفتوحًا بشكل غير طبيعي وكأنه يصرخ بصمت.

سقط المصباح من يد ياسين.

وعندما انطفأ الضوء اختفى الوجه.

ركض عائدًا إلى منزله بأقصى سرعة.

عندما أخبر جده بما حدث تغير لون وجه الرجل العجوز.

جلس بصمت لعدة دقائق قبل أن يقول:

"لقد سمعك... وهذا أمر سيئ جدًا."

سأله ياسين عما يقصد.

فأخبره بسر أخفته القرية لعقود طويلة.

قبل أكثر من مئة عام كان هناك رجل غامض يعيش قرب البئر. كان يمارس طقوسًا غريبة ويختطف المسافرين ليلًا. وعندما اكتشف أهل القرية جرائمه قبضوا عليه وألقوه في البئر حيًا.

لكن قبل موته أطلق لعنة رهيبة.

قال إنه سيعود لكل من يسمع صوته.

ومنذ ذلك اليوم بدأ الناس يختفون واحدًا تلو الآخر.

في تلك الليلة لم يستطع ياسين النوم.

كلما أغلق عينيه سمع الهمسات.

"ياسين..."

"تعال..."

"نحن ننتظرك..."

فتح عينيه فزعًا.

ثم رأى شيئًا يقف بجانب نافذته.

شخصًا طويلًا ونحيفًا بوجه شاحب وعينين سوداوتين.

اختفى الكائن فور أن أشعل الضوء.

لكن الهمسات لم تتوقف.

في الليلة التالية أصبحت الأصوات أعلى.

كان يسمع خطوات داخل المنزل رغم أن الجميع نائمون.

وكان يشعر بأن أحدًا يراقبه من الظلام.

وفي منتصف الليل استيقظ على صوت طرق عنيف على باب غرفته.

ضربة...

ثم أخرى...

ثم ثالثة.

سأل بصوت مرتجف:

"من هناك؟"

فجاءه الرد من خلف الباب:

"أنا أنت."

توقف قلبه للحظة.

فتح الباب بسرعة فلم يجد أحدًا.

لكن الأرضية أمام الغرفة كانت مبللة بالماء.

وكانت آثار الأقدام المائية تمتد عبر الممر حتى خارج المنزل.

تبِعها رغم خوفه.

قادته الآثار مباشرة إلى البئر.

عندما وصل كانت السماء مغطاة بالغيوم السوداء.

وفجأة بدأت عشرات الأيدي الشاحبة تخرج من داخل البئر.

أيدٍ بشرية متعفنة تتحرك ببطء نحوه.

سمع مئات الأصوات تهمس معًا:

"انضم إلينا..."

"انضم إلينا..."

حاول الهرب لكنه شعر بقوة تسحبه نحو الحافة.

صرخ بكل ما يملك.

ثم اختفى في الظلام.

في صباح اليوم التالي وجد أهل القرية كاميرته قرب البئر.

أما ياسين فلم يُعثر له على أي أثر.

وعندما راجعوا التسجيل الأخير في الكاميرا ظهر شيء جعل الدم يتجمد في عروقهم.

قبل لحظات من اختفائه، سجلت الكاميرا وجهًا شاحبًا يخرج من البئر.

وكان يبتسم.

ومنذ ذلك اليوم، كل من يشاهد التسجيل يسمع اسمه يُهمس به في منتصف الليل..

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mouhamed Ali تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-