صدى الغرفة رقم 7

صدى الغرفة رقم 7

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

صدى الغرفة رقم 7

 

image about صدى الغرفة رقم 7

 

 

 

كان المطر ينهمر بغزارة كأنه سياط تضرب زجاج الحافلة القديمة التي أقلت آدم إلى تلك البلدة المنسية. آدم، الكاتب الذي جفّ حبر إبداعه، كان يبحث عن مكان يقطعه عن صخب العالم ليتمكن من إنهاء روايته الجديدة. وجد ضالته في فندق "الوادي المهجور"، وهو مبنى خشبي قديم تفوح منه رائحة الرطوبة والتاريخ.

استقبله صاحب الفندق، رجل عجوز ذو عين واحدة ونظرات غامضة، ومنحه مفتاح الغرفة رقم 7 في نهاية الممر المظلم بالطابق الثاني. بمجرد أن فتح آدم الباب، شعر ببرودة غير طبيعية تجتاح جسده، رغم أن المدفأة كانت مشتعلة. لم يهتم كثيراً، فالغرفة كانت واسعة وتحتوي على مكتب خشبي عتيق، وفوقه تماماً علقت مرآة ضخمة ذات إطار برونزي مزخرف بنقوش تشبه الأفاعي المتشابكة.

في الليلة الأولى، جلس آدم يكتب بنهم. الكلمات كانت تتدفق كالسيل، لكنه كان يشعر طوال الوقت بأن هناك من يراقب ظهره. التفت خلفه عدة مرات، ولم يجد شيئاً. وعندما نظر إلى المرآة ليعدّل شعره قبل النوم، لاحظ شيئاً غريباً؛ انعكاسه في المرآة لم يتحرك فوراً، بل تأخر لجزء من الثانية. فرك عينيه ظناً منه أنه الإرهاق، ثم أخلد إلى النوم.

مع مرور الأيام، أصبح آدم يلاحظ تفاصيل أكثر رعباً. في الليلة الثالثة، بينما كان يبتسم لنفسه في المرآة ساخراً من مخاوفه، وجد أن انعكاسه لا يبتسم، بل كان ينظر إليه بنظرة حقد جامدة. تجمدت الدماء في عروق آدم. حاول التراجع، لكن قدميه لم تسعفاه. وفجأة، ارتفعت يد الانعكاس داخل المرآة ولمست الزجاج من الداخل، وظهر أثر بخار دافئ على الزجاج وكأن هناك شخصاً حقيقياً يحبسه هذا الإطار البرونزي!

حاول آدم مغادرة الفندق، لكنه وجد نفسه مدفوعاً برغبة عارمة، تشبه الإدمان، في العودة والنظر إلى المرآة. بدأ يشعر أن طاقته تُسلب، وجهه أصبح شاحباً، وعيناه غائرتين، بينما كان الانعكاس داخل المرآة يبدو أكثر حيوية، وأكثر نضارة، وابتسامته الخبيثة تتسع يوماً بعد يوم.

في الليلة السابعة، استيقظ آدم في منتصف الليل على صوت همس خافت يأتي من المرآة: "حان الوقت لنتبادل الأماكن".

شعر آدم بقوة غير مرئية تسحبه نحو الزجاج. حاول المقاومة، صرخ مستغيثاً، لكن صوته خرج مكتوماً كأنه تحت الماء. التصق جسده بالمرآة، وشعر ببرودة الزجاج تخترق جلده، وفي لحظة خاطفة من الألم والظلمة المطلقة، وجد نفسه يندفع إلى الخلف.

عندما فتح آدم عينيه، وجد الغرفة تبدو مقلوبة؛ المكتب على اليسار بدلاً من اليمين، والباب في الجهة المقابلة. نظر أمامه ليرى نفسه – أو بالأحرى، الكيان الذي سرق جسده – يقف على الجانب الآخر، يرتدي معطفه، ويجمع أوراق الرواية بابتسامة انتصار.

حاول آدم أن يضرب الزجاج، صرخ بكل ما أوتي من قوة، لكن لم يخرج أي صوت سوى صدى خافت وضئيل. التفت الجسد المزيف، ونظر إلى المرآة للمرة الأخيرة، وقال بنبرة باردة: "شكراً على الرواية.. وعلى الحياة". ثم أطفأ أنوار الغرفة، وأغلق الباب خلفه، تاركاً آدم الحقيقي سجيناً إلى الأبد خلف زجاج الغرفة رقم 7.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
حسن عمرو تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-