الغرفة التي لا يجرؤ أحد على فتحها
الفصل الثاني: أول ليلة في المنزل
لم يكن محمود من الأشخاص الذين يؤمنون بالخرافات أو يمنحون الشائعات اهتمامًا كبيرًا. فقد قضى معظم حياته يعمل مهندسًا معماريًا، وكان يرى أن لكل ظاهرة تفسيرًا علميًا مهما بدت غامضة. لذلك، عندما تلقى اتصالًا من محامي عمه الراحل يخبره بأنه أصبح الوريث الوحيد لمنزل قديم يقع في قرية نائية تُدعى وادي السرو، لم يشعر إلا بالدهشة. لم يكن يعرف عن عمه سوى أنه عاش منعزلًا سنوات طويلة، ولم يكن يزور العائلة إلا في المناسبات النادرة، ثم انقطعت أخباره تمامًا حتى وصل خبر وفاته.
بعد أسبوع واحد، كان محمود يقود سيارته عبر طريق ضيق تحيط به الغابات من الجانبين. كلما اقترب من القرية، ازدادت الطرق هدوءًا، واختفت مظاهر الحياة تدريجيًا حتى لم يعد يرى سوى الأشجار الكثيفة والضباب الذي بدأ يهبط مبكرًا رغم أن الشمس لم تغرب بعد. وعندما وصل إلى مدخل القرية، لاحظ أن السكان ينظرون إليه باستغراب، وكأنهم كانوا يعرفون سبب قدومه قبل أن يتحدث مع أحد.
توقف أمام متجر صغير ليشتري زجاجة ماء ويسأل عن الطريق المؤدي إلى المنزل. رفع الرجل العجوز الذي كان يدير المتجر رأسه، وما إن سمع اسم المنزل حتى تغيرت ملامحه فجأة. ساد صمت ثقيل قبل أن يقول بصوت منخفض: "إذن... أنت ابن أخي الحاج سليم."
أومأ محمود برأسه مبتسمًا، لكنه لاحظ أن الرجل لم يبادله الابتسام، بل ظل ينظر إليه نظرة امتزج فيها الحزن بالخوف. ثم اقترب منه قليلًا وقال: "إذا كنت ذاهبًا إلى ذلك المنزل، فخذ هذه النصيحة... لا تصعد إلى الطابق الثاني بعد حلول الظلام."
ضحك محمود بخفة وهو يظن أن الرجل يمزح، لكن العجوز لم يضحك، بل ظل يحدق في عينيه وكأنه ينتظر منه وعدًا. سأله محمود عن سبب هذا التحذير، إلا أن الرجل اكتفى بهز رأسه قائلًا: "بعض الأبواب خُلقت لتظل مغلقة، ومن يفتحها لا يعود كما كان."
شكر محمود الرجل وانصرف، لكنه ظل يفكر في كلماته طوال الطريق. كان يعلم أن القرى الصغيرة تمتلئ بالأساطير، وغالبًا ما تتحول الحوادث العادية مع مرور الزمن إلى قصص مرعبة يصدقها الجميع. لذلك أقنع نفسه بأن المنزل ليس سوى بناء قديم نسج الناس حوله حكايات خيالية، وأنه سيقضي بضعة أيام في ترتيبه قبل أن يقرر بيعه.
بعد دقائق، ظهر المنزل بين الأشجار. كان أكبر بكثير مما تخيله، وقد بُني على الطراز القديم بجدران حجرية سميكة ونوافذ طويلة تعلوها أقواس خشبية. أما البوابة الحديدية فقد غطاها الصدأ بالكامل، بينما التف اللبلاب حول أعمدتها حتى كاد يخفيها عن الأنظار. لم يكن المنزل مهجورًا بالمعنى المعتاد، بل بدا وكأنه ينتظر شخصًا بعينه، وكأن السنوات لم تمر عليه إلا ليظل واقفًا في مكانه، يراقب الطريق بصمت.
ترجل محمود من السيارة وأخرج المفتاح النحاسي الذي سلمه له المحامي. كان المفتاح ثقيلًا بصورة غير مألوفة، وقد نُقش على رأسه رمز دائري غريب يشبه عينًا مفتوحة تتوسطها نجمة سوداء. تأمله لثوانٍ، ثم أدخله في القفل. وما إن أدار المفتاح حتى انطلقت من البوابة صرخة معدنية طويلة جعلته يتوقف للحظة، ليس خوفًا، بل لأن الصوت كان أعلى مما توقع، وكأن الحديد نفسه كان يحتج على فتحه بعد سنوات طويلة من الصمت.
دخل الفناء ببطء، ولاحظ أن الأعشاب قد غطت الممر الحجري المؤدي إلى الباب الرئيسي. كانت الأشجار المحيطة بالمنزل كثيفة إلى درجة أن ضوء الشمس لم يكن يصل إلى الأرض إلا بصعوبة، مما جعل المكان يبدو غارقًا في شفق دائم. وبينما كان يسير، شعر بأن الهواء أصبح أبرد فجأة، رغم أن تطبيق الطقس في هاتفه كان يشير إلى يوم دافئ نسبيًا.
فتح الباب الرئيسي بسهولة على غير المتوقع، فانبعثت منه رائحة الخشب العتيق والرطوبة. دخل وهو يسلط ضوء مصباحه في كل اتجاه، فاكتشف أن أثاث المنزل ما زال في مكانه كما لو أن صاحبه خرج منذ أيام قليلة فقط. كانت هناك مكتبة ضخمة تمتد على طول أحد الجدران، وساعة قديمة متوقفة عند الثالثة وثلاث عشرة دقيقة، وثريا كريستالية يغطيها الغبار، ولوحات زيتية لرجال ونساء يرتدون ملابس تعود إلى أكثر من قرن.
لكن أكثر ما أثار انتباهه لم يكن الأثاث، بل الهدوء.
كان هدوءً غير طبيعي.
لم يسمع صوت عصافير خارج النوافذ، ولا حفيف أوراق الأشجار، ولا حتى صوت الريح. كان الصمت كثيفًا إلى درجة أنه أصبح يسمع دقات قلبه بوضوح، وكل خطوة يخطوها كانت تتردد في أرجاء المنزل وكأن شخصًا آخر يسير خلفه بالوتيرة نفسها.
أثناء تجوله، لاحظ أن جميع الأبواب في الطابق الأرضي كانت مفتوحة، باستثناء باب صغير يؤدي إلى قبو المنزل. اقترب منه وحاول فتحه، لكنه وجده مغلقًا بإحكام. لم يهتم كثيرًا، وقرر أن يصعد إلى الطابق العلوي أولًا.
كان الدرج الخشبي يصدر صريرًا خافتًا مع كل خطوة، وما إن وصل إلى أعلى السلم حتى وجد ممرًا طويلًا تتوزع على جانبيه عدة غرف. بدت الأبواب عادية، باستثناء الباب الأخير في نهاية الممر.
كان أسود اللون.
أغمق من أي قطعة خشب رآها في حياته.
ولا يحتوي على مقبض.
توقف محمود في مكانه، وهو يتذكر كلمات الرجل العجوز: "لا تصعد إلى الطابق الثاني بعد حلول الظلام."
نظر من إحدى النوافذ، فوجد أن الشمس قد أوشكت على المغيب، بينما بدأ الضباب يزحف ببطء نحو المنزل، وكأنه بحر أبيض يبتلع كل شيء في طريقه.
لم يكن يدري أن وقوفه أمام ذلك الباب في تلك اللحظة سيكون بداية سلسلة من الأحداث التي ستغير حياته إلى الأبد، وأن السر الذي أخفاه عمه طوال ثلاثين عامًا لم يكن مجرد أسطورة تتناقلها القرية، بل حقيقة أكثر رعبًا من أي كابوس عرفه البشر.
الفصل الثاني: أول ليلة في المنزل
وقف محمود أمام الباب الأسود للحظات طويلة، وكأن شيئًا خفيًا يجذبه إليه دون أن يدرك السبب. كان الباب يختلف عن بقية أبواب المنزل؛ فقد بدا أحدث منها جميعًا رغم أن المنزل نفسه يعود إلى عشرات السنين. مرر أصابعه فوق الخشب الداكن، فشعر بحرارة غريبة تسري في راحة يده، وكأن خلف الباب شخصًا يقف ملتصقًا به من الداخل. سحب يده بسرعة وهو يهز رأسه ساخرًا من نفسه، ثم التفت عائدًا إلى الدرج وهو يتمتم بأن كل ما يشعر به ليس سوى نتيجة الإرهاق بعد رحلة طويلة. ومع ذلك، لم يستطع التخلص من ذلك الإحساس المزعج بأن عينين تراقبانه من خلف الباب المغلق.
قضى بقية المساء في ترتيب إحدى الغرف بالطابق الأرضي لتكون مكانًا ينام فيه، ثم أشعل المدفأة وجلس يتصفح بعض الأوراق التي تركها عمه الراحل. وبينما كان يقلب الملفات القديمة، عثر على ظرف أصفر اللون يحمل اسمه بخط يد عمه. فتح الظرف بفضول، فوجد رسالة قصيرة تبدأ بعبارة أربكته: "إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد على قيد الحياة، وأن المنزل أصبح ملكًا لك، لكن تذكر أن امتلاك المنزل لا يعني أنك تعرف كل أسراره." واصل القراءة، فوجد تحذيرًا واضحًا بعدم الاقتراب من الباب الأسود أو محاولة فتحه، لأن كل من فعل ذلك قبله اختفى دون أن يترك أثرًا. أغلق الرسالة مبتسمًا في سخرية، فقد اعتبرها جزءًا من الأساطير التي يحب كبار السن تناقلها، ووضعها على الطاولة دون أن يمنحها أهمية حقيقية.
بعد منتصف الليل بقليل، استيقظ محمود على صوت طرقات خافتة بدت وكأنها تصدر من الطابق العلوي. فتح عينيه ببطء ونظر إلى ساعة يده، فوجد أنها تشير إلى الثالثة وثلاث عشرة دقيقة، وهي اللحظة نفسها التي توقفت عندها ساعة المنزل القديمة. حاول تجاهل الأمر وإقناع نفسه بأن الرياح هي السبب، إلا أن الطرقات تكررت بإيقاع ثابت، ثلاث طرقات متتالية يتبعها صمت طويل. نهض من سريره وأمسك بالمصباح اليدوي، ثم خرج إلى الممر وهو يحاول الإصغاء جيدًا. وما إن اقترب من الدرج حتى سمع خطوات بطيئة فوق الأرضية الخشبية، وكأن شخصًا يسير في الطابق الثاني جيئة وذهابًا. تجمد في مكانه، فالصوت كان واضحًا للغاية، ومع ذلك كان يعلم يقينًا أنه دخل المنزل وحده ولم يغادره أحد منذ وصوله.
تغلب الفضول على خوفه، فبدأ يصعد الدرج بحذر شديد. ومع كل درجة كان الهواء يزداد برودة، حتى أصبح يشعر بأن أنفاسه تتحول إلى بخار أبيض أمام وجهه. وعندما وصل إلى نهاية الممر، رأى الباب الأسود كما تركه، لكن هذه المرة كان مواربًا قليلًا، ومن الفتحة الضيقة انبعث ضوء أحمر خافت لم يكن موجودًا من قبل. حدق فيه مذهولًا، وقبل أن يقترب أكثر، سمع صوت رجل عجوز يقول بصوت هادئ: "لقد تأخرت يا محمود... كنا ننتظرك." في تلك اللحظة فقط، أدرك أن ما حذره منه أهل القرية لم يكن مجرد قصة قديمة، بل بداية كابوس حقيقي لم يكن مستعدًا لمواجهته.