الطابق ال 20

الطابق ال 20

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الطابق العشرون

image about الطابق ال 20

في شتاء عام 2019، كان ياسين يبحث عن أي وظيفة بعد أشهر طويلة من البطالة. لم يكن يهتم كثيرًا بطبيعة العمل، فقط أراد راتبًا يساعده على دفع الإيجار المتراكم.

عندما أخبره أحد أصدقائه أن هناك وظيفة حارس ليلي في مبنى إداري قديم على أطراف المدينة، وافق فورًا.

كان المبنى غريبًا منذ اللحظة الأولى.

تسعة عشر طابقًا من الخرسانة الرمادية، تقف وحيدة وسط منطقة شبه مهجورة. حتى السيارات نادرًا ما تمر بجواره.

في يومه الأول، استقبله المدير العجوز بنظرات باردة وسلّمه المفاتيح وكتيب التعليمات.

وقبل أن يغادر قال له:

“أي شيء يحدث بعد منتصف الليل لا تتدخل فيه.”

ابتسم ياسين وقال:

“زي إيه يعني؟”

لكن الرجل لم يبتسم.

ثم أضاف:

“ولو المصعد وقف في الطابق العشرين... متطلعش.”

شعر ياسين أن الأمر مجرد محاولة لإخافته.

فالمبنى لا يحتوي أصلًا إلا على تسعة عشر طابقًا.

رأى الخرائط بنفسه.

كيف يوجد طابق عشرون؟

مرت الليلة الأولى هادئة.

حتى الثانية عشرة وخمس دقائق.

عندها سمع صوت المصعد يتحرك.

رفع رأسه نحو شاشة المراقبة.

الأرقام تصعد بسرعة.

3…

8…

14…

19…

ثم ظهر رقم لم يكن موجودًا على لوحة المصعد أصلًا.

20.

توقف المصعد.

ظل الباب مفتوحًا دقيقة كاملة.

ثم عاد للأسفل.

عندما وصل للطابق الأرضي كان فارغًا.

لا أحد خرج.

ولا أحد دخل.

تكرر الأمر لثلاث ليالٍ متتالية.

وفي كل مرة كان فضوله يزداد.

حتى جاء اليوم الذي قرر فيه ركوب المصعد بنفسه.

عند منتصف الليل تمامًا ضغط الزر.

تحرك المصعد.

وصل إلى التاسع عشر.

ثم اهتز بعنف.

وكأن شيئًا ما يسحبه إلى أعلى.

استمرت الرحلة أكثر من المعتاد.

ثم ظهر الرقم:

20.

انفتح الباب.

وكان ما خلفه كفيلًا بتحطيم أي منطق يعرفه.

ممر طويل بلا نهاية.

إضاءة صفراء خافتة.

وجدران متشققة كأنها موجودة منذ مئات السنين.

خرج ياسين بحذر.

وأغلق المصعد خلفه.

فجأة.

اختفى.

كأن الباب لم يكن موجودًا أصلًا.

بدأ يسير.

وكل خطوة كانت تزيد إحساسه بأن المكان لا ينتمي إلى العالم الطبيعي.

حتى وصل إلى غرفة كبيرة.

داخلها مئات الأرفف المعدنية.

وعشرات الآلاف من الملفات.

اقترب من أحدها.

فتح الملف.

فوجد صورة رجل.

اسمه.

عنوانه.

وتاريخ وفاته.

فتح ملفًا آخر.

ثم آخر.

ثم آخر.

كل الملفات لأشخاص حقيقيين.

وفي كل ملف تفاصيل حياتهم كاملة.

وفي الصفحة الأخيرة موعد موتهم.

لكن المفاجأة كانت عندما عثر على ملف باسمه.

ارتجفت يداه.

فتح الصفحة الأخيرة.

فوجد عبارة:

“موعد الوفاة: 17 ديسمبر 2019.”

نظر إلى الساعة.

كان اليوم 16 ديسمبر.

أي أن أمامه أقل من أربع وعشرين ساعة.

وفجأة سمع صوتًا خلفه.

التفت.

فرأى رجلاً يقف وسط الظلام.

طويلاً بشكل غير طبيعي.

وجهه شاحب.

وعيناه سوداوان تمامًا.

لكن الأكثر رعبًا…

أنه كان يشبهه.

يشبه ياسين نفسه.

لكن بعد عشرين عامًا.

قال الرجل:

“أخيرًا وصلت.”

صرخ ياسين:

“مين أنت؟!”

أجاب بهدوء:

“أنا أنت.”

شعر ياسين أن عقله ينهار.

ضحك الرجل وقال:

“أعرف أنك لا تصدقني.”

“لكن بعد قليل ستفهم.”

ثم أشار إلى الملفات.

“هذا المكان يحفظ مصائر البشر.”

“كل من يدخل هنا يرى نهايته.”

سأله ياسين:

“ولو غيرتها؟”

ابتسم الرجل ابتسامة حزينة.

وقال:

“الجميع يحاول.”

“ولا أحد ينجح.”

ثم اختفى.

فجأة.

انطفأت الأنوار.

وغرق المكان في الظلام.

وبدأت الأصوات.

همسات أولًا.

ثم صرخات.

ثم بكاء.

ثم آلاف الأصوات البشرية في وقت واحد.

ركض ياسين بلا اتجاه.

حتى اصطدم بباب حديدي ضخم.

فتحه.

فوجد نفسه داخل مدينة كاملة.

لكنها مدينة ميتة.

الشوارع فارغة.

المباني مهجورة.

السيارات متوقفة منذ سنوات.

وكأن الزمن توقف فجأة.

بينما كان يسير شاهد أشخاصًا.

لكنهم لم يكونوا أحياء.

كانوا أشبه بظلال رمادية.

يتجولون بلا هدف.

اقترب من أحدهم.

وعندما رأى وجهه تجمد مكانه.

كان والده.

والده الذي مات قبل خمس سنوات.

نظر إليه الرجل للحظات.

ثم قال:

“اهرب.”

“قبل أن يراك.”

ارتجف ياسين.

“مين؟”

لكن والده اختفى.

وفجأة سمع صوت خطوات ثقيلة.

خطوات ضخمة.

تهز الأرض نفسها.

التفت ببطء.

ورأى شيئًا لا يمكن وصفه بسهولة.

مخلوقًا هائل الحجم.

جسده مكون من عشرات الوجوه البشرية الملتصقة ببعضها.

وكل وجه يصرخ.

وكل عين تنظر في اتجاه مختلف.

بدأ المخلوق يقترب.

فركض ياسين بكل قوته.

بين الأزقة.

وخلف المباني.

لكن الشيء كان يطارده.

حتى وصل إلى برج ضخم في قلب المدينة.

دخل وأغلق الباب.

ثم صعد السلالم.

طابقًا بعد طابق.

حتى وصل إلى السطح.

وكان يعلم أنه محاصر.

لا مكان للهرب.

اقترب المخلوق.

ثم توقف فجأة.

وبدأ يضحك.

ضحكة بشرية مرعبة.

ثم خرج صوت من بين الوجوه:

“لماذا تهرب؟”

“أنت من صنعني.”

شعر ياسين بالارتباك.

“إيه؟”

رد الصوت:

“أنا نتيجة كل قراراتك.”

“كل كذبة.”

“كل خيانة.”

“كل فرصة ضيعتها.”

“كل شخص آذيته.”

ثم بدأت الوجوه تتحول.

وأصبح يرى أشخاصًا من ماضيه.

أصدقاء خسرهم.

أشخاص ظلمهم.

فرصًا دمرها بنفسه.

ذكريات حاول نسيانها.

أدرك فجأة أن المكان لا يعرض المستقبل فقط.

بل يكشف الحقيقة الكاملة للإنسان.

الحقيقة التي يهرب منها طوال حياته.

ثم ظهر الرجل الشبيه به مرة أخرى.

وقال:

“الطابق العشرون ليس مكانًا.”

“إنه اختبار.”

“كل من يصل إليه يرى حياته كما هي.”

“بلا أعذار.”

“بلا أكاذيب.”

سأله ياسين:

“ولو نجحت؟”

أجاب:

“تعود.”

“ولو فشلت...”

نظر حوله.

إلى المدينة الميتة.

إلى الظلال الهائمة.

ثم أكمل:

“تبقى هنا إلى الأبد.”

في تلك اللحظة تذكر شيئًا.

أمه.

كانت تنتظره في الصباح.

كان قد وعدها بزيارتها.

ولأول مرة منذ سنوات شعر بندم حقيقي على كل شيء.

على الفرص التي أضاعها.

على الأشخاص الذين خسرهم.

على حياته التي عاشها بلا هدف.

بدأ يبكي.

بصدق.

دون تبرير.

دون دفاع عن نفسه.

وفجأة بدأ كل شيء يهتز.

المدينة.

المباني.

السماء.

وظهر نور قوي في الأفق.

سمع صوتًا يقول:

“تم قبول الاعتراف.”

ثم استيقظ.

كان مستلقيًا على أرضية المصعد.

في الطابق الأرضي.

الساعة تشير إلى السادسة صباحًا.

ركض خارج المبنى.

وأول ما فعله هو الاتصال بأمه.

سمع صوتها.

فبكى.

كانت بخير.

كل شيء كان بخير.

عاد إلى المبنى في المساء.

لكن شيئًا غريبًا حدث.

الطابق العشرون اختفى.

من لوحة المصعد.

ومن الكاميرات.

ومن كل الخرائط.

كأنه لم يكن موجودًا أبدًا.

أما المدير العجوز…

فعندما أخبره بما حدث ابتسم لأول مرة.

وقال:

“مبروك.”

سأله ياسين:

“على إيه؟”

فأجاب:

“قلة قليلة فقط تعود من الطابق العشرين.”

“وأقل منهم من يعود إنسانًا أفضل.”

ثم غادر.

ولم يره ياسين مرة أخرى أبدًا.

لكن أحيانًا…

في منتصف الليل…

عندما يكون المبنى صامتًا تمامًا…

كان يسمع صوت المصعد يصعد.

إلى مكان غير موجود.

ويظهر الرقم 20 للحظة واحدة فقط.

ثم يختفي.

وكأن الطابق ما زال هناك…

ينتظر الزائر التالي. 👁️🚪🌑

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محسن تقييم 5 من 5.
المقالات

6

متابعهم

5

متابعهم

17

مقالات مشابة
-