كل صباحٍ نختار
كل صباحٍ نختار
في زحمة القاهرة، بين أرتال السيارات التي لا تنتهي وضجيج المدينة الذي يلفح الوجه كالهواء، التقيا. لم تكن صدفة عابرة، ولا لقاءً محضَ مصادفة، بل كان أشبه بموعدٍ خفيٍّ حددته الحياة منذ زمنٍ بعيد.

كانت ليلى، ثلاثينية تعمل محامية، تعرف طريقها بدقة. كل شيء في حياتها مُرتَّب: ملفاتها مرقَّمة، ملابسها مصنَّفة حسب الألوان، وحتى مشاعرها كانت تخضع لسيطرةٍ عقلانية. لكنها عندما رأت كريم لأول مرة في مقهىٍ صغير بالزمالك، شعرت بشيءٍ لم تستطع تصنيفه. كان كريم مهندسًا معماريًا، يحمل في عينيه حزنًا عميقًا، وفي ابتسامته دفئًا مفاجئًا.
تحدثا. لم يكن حديثًا عاديًا عن الطقس أو العمل، بل كان حوارًا يشبه التنقيب في مناجم الذاكرة. تحدثت ليلى عن أبيها الذي تركها وهي في العاشرة، وعن أمها التي علمتها أن الحب ليس إلا ورقةُ بنكٍ يسهل تزويرها. وتحدث كريم عن أمه التي قضت عشرين سنة في رعاية والده المصاب بالزهايمر، وكيف أنها رغم كل شيء كانت تبتسم كل صباح وكأنها تراه للمرة الأولى.
لم يتبادلا أرقام الهواتف تلك الليلة. كان اتفاقًا ضمنيًّا أن يعودا إلى المقهى نفسه بعد أسبوع. وعادا. ثم عادا مرةً أخرى، وهكذا صار المقهى شاهدًا على ميلاد شيءٍ لا اسم له.
لكن الحب، كما تعلم ليلى من ملفات القضايا التي تترافع فيها، لا يسير وفق جدول زمني محدد. اكتشفت أن حبها لكريم لم يكن حالةً عاطفية عابرة، بل كان أشبه بكسرٍ في جدارٍ بنته حول قلبها لسنوات. كانت تقاوم، تبحث عن عيوبٍ فيه، تحلل مشاعرها كقضيةٍ أمام المحكمة، لكن القلب كان يحكم دائمًا ضد عقلها.
أما كريم، فكان يرى في ليلى شيئًا مختلفًا. ليست مجرد امرأة جميلة، بل مدينةٌ بأكملها يريد استكشاف شوارعها الخفية. كان يرسمها في مخيلته كمنزلٍ قديم، كل غرفةٍ فيه تحمل قصةً مختلفة، وبعض الأبواب موصدة بإحكام.
ذات مساءٍ، في شقة كريم المطلة على النيل، انكسر شيءٌ بينهما. كانت ليلى تبكي لأول مرة منذ سنوات، تقول له: "أنا خائفة. خائفة أن أصدق هذا، أن أستسلم، ثم يأتي يوم وتتحول كل هذه المشاعر إلى مجرد ذكرى مؤلمة".
وضع كريم يده على خدها، وقال بهدوء: “الحب ليس ضمانًا، ليلى. ليس عقدًا موقعًا. هو محاولة، كل يوم، أن نختار بعضنا رغم كل شيء. أمي لم تكن تضمن أن أبي سيتذكرها كل صباح، لكنها كانت تختار أن تحبه حتى في غيابه.”
في تلك اللحظة، أدركت ليلى شيئًا مهمًا: الحب الحقيقي لا يُقاس بكمية السعادة التي يمنحها، بل بالجرأة على الاحتماء بآخر رغم كل مخاطر الانهيار. هو أن تقول لشخصٍ ما: “أنا هنا، بكل جراحي المفتوحة، بكل أسئلتي التي لا إجابة لها، اخترتُ أن أكون معك ليس لأنك مثالي، بل لأنك الوحيد الذي جعلني أشعر أن العيوب ليست نقاط ضعف، بل أبوابًا للحب.”
اليوم، بعد خمس سنوات من ذلك اللقاء في المقهى، تجلس ليلى في مكتبها، تنظر إلى صورة كريم على المكتب، وتتذكر كيف كان الحب أشبه بمعجزةٍ صغيرة: أنهما التقيا، أنهما اختارا، أنهما استمرا. ليس لأن الحياة سهلة، بل لأنهما قررا أن يصيرا أكثر صعوبة معًا من أن يكونا أكثر سهولة منفردين.
الحب، كما تعلمت، ليس وجهةً نصل إليها، بل رحلةٌ نصنع مسارها بأنفسنا، بلا خرائط، فقط بقلوبٍ ترتجف وأيادٍ تتشبث، وبإيمانٍ غبيٍّ وجميل بأن هذا الشخص الذي بين أيدينا يستحق كل هذا الجنون.