سلمي ويونس في المقهي☕️

سلمي ويونس في المقهي ☕️
في كل صباح، كانت سلمى تدخل المقهى الصغير القريب من عملها، تطلب قهوتها المعتادة، وتجلس في الزاوية نفسها.
لم تكن تحب الحديث مع أحد في الصباح، وكانت تعتبر أول عشر دقائق من يومها منطقة ممنوع الاقتراب منها.
لكن في أحد الأيام، جلست بالخطأ على الطاولة التي اعتاد شاب اسمه يونس الجلوس إليها.
عاد يونس حاملاً قهوته، ونظر إليها باستغراب.
قال:
“هذه طاولتي.”
رفعت سلمى حاجبها وقالت:
“هل كتبت اسمك عليها؟”
نظر إلى الطاولة ثم قال بجدية مصطنعة:
“لا، لكننا اتفقنا منذ فترة.”
ضحكت للمرة الأولى منذ أيام.
جلس أمامها، وقال:
“واضح أن الاتفاق أُلغي.”
في اليوم التالي، وجدته جالسًا في طاولتها.
قالت:
“هذه طاولتي.”
ابتسم:
“أعرف.”
ومنذ ذلك اليوم، بدأت حرب صغيرة بينهما على الطاولة.
مرة يسبقها يونس، ومرة تسبقه سلمى، وأحيانًا يصلان في الوقت نفسه فيجلسان معًا رغمًا عنهما.
بمرور الأيام، تحولت المشاجرات الصغيرة إلى أحاديث طويلة.
عرفت سلمى أنه يكتب الموسيقى في وقت فراغه، وأنه يخاف من القطط رغم محاولته إخفاء ذلك. وعرف يونس أنها تتظاهر بالقوة عندما تكون حزينة، وأنها لا تستطيع مقاومة الحلويات مهما أقسمت أنها ستتوقف عنها.
ذات مساء، وصلت سلمى إلى المقهى ولم تجد يونس.
جلست وحدها، لكنها اكتشفت أن المكان أصبح هادئًا أكثر مما ينبغي.
في اليوم التالي لم يأتِ أيضًا.
وفي اليوم الثالث، دخل يونس وهو يحمل علبة صغيرة.
وضعها أمامها وقال:
“كنت مريضًا.”
قالت بقلق حاولت إخفاءه:
“ولماذا لم تخبرني؟”
ابتسم وقال:
“اكتشفت أنني أريد أن أعرف إن كان أحد سيسأل عني.”
صمتت سلمى للحظة.
ثم قالت:
“سألت.”
اقترب منها وقال:
“وأنا كنت أتمنى أن تكوني أنتِ.”
منذ تلك اللحظة، لم تعد الطاولة مجرد طاولة.
بعد أشهر، جاء يونس إلى المقهى متأخرًا، فوجد سلمى تنتظره.
قالت:
“تأخرت.”
أجاب مبتسمًا:
“كنت أشتري شيئًا.”
أخرج مفتاحًا صغيرًا ووضعه أمامها.
نظرت إليه باستغراب.
قال:
“وجدت مكانًا جديدًا سنجلس فيه.”
ضحكت:
“وماذا عن هذه الطاولة؟”
أجاب:
“نتركها لاثنين آخرين... ونبدأ نحن قصتنا من مكان جديد.”
نظرت إليه سلمى طويلًا، ثم أخذت المفتاح.
وقالت:
“لكن بشرط.”
“ما هو؟”
“أن أختار الطاولة.”
ضحك يونس.
وهكذا بدأت قصتهما... ليس بلقاء مصادف تحت المطر، ولا بحب من النظرة الأولى، بل بخلاف سخيف على طاولة في مقهى.
وأحيانًا، أجمل قصص الحب تبدأ بأبسط الأشياء.
أخذت سلمى المفتاح، لكنها لم تكن تعرف إلى أين سيقودها.
في اليوم التالي، جاء يونس إلى المقهى كعادته، لكنه لم يجلس.
قال لها:
“هل أنتِ مستعدة؟”
ابتسمت وقالت:
“على حسب... هل المكان الجديد فيه قهوة جيدة؟”
ضحك وقال:
“هذا أول شيء فكرت فيه.”
خرجا معًا من المقهى، وسارا في الشارع بينما كانت سلمى تحاول تخمين المكان الذي يقصده.
بعد دقائق، توقف يونس أمام مبنى صغير قديم، ثم فتح بابًا خشبيًا بالمفتاح الذي أعطاها إياه.
دخلت سلمى، فتفاجأت بمكان دافئ وبسيط، فيه نافذة كبيرة تطل على الشارع، ورفوف مليئة بالكتب، وفي الزاوية آلة موسيقية قديمة.
قال يونس:
“هذا المكان كان حلمي منذ سنوات.”
نظرت إليه بدهشة.
“ولماذا لم تخبرني؟”
أجاب:
“كنت أنتظر الشخص الذي يجعلني أشعر أن الحلم يستحق أن يتحقق.”
صمتت سلمى، وشعرت بقلبها يخفق بقوة.
لكنها لاحظت شيئًا على الطاولة.
كانت هناك صورة قديمة ليونس وهو طفل، وبجانبه امرأة تبتسم.
سألته:
“من هذه؟”
تغيرت ملامحه قليلًا.
وقال:
“أمي.”
ثم سكت للحظة قبل أن يضيف:
“كانت تحب هذا المكان، وكانت دائمًا تقول إنني سأفتحه يومًا ما.”
ابتسمت سلمي ولهذا اصبح كلاهما احباب.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح المقهى الجديد شاهدًا على قصتهما؛ قصة لم تبدأ بنظرة حب، بل بمقعد خاطئ، وقهوة ساخنة، وشخصين لم يعرفا أن الخلاف على طاولة واحدة سيقودهما إلى مشاركة حياة كاملة.