حين جمعنا القدر من جديد

حين جمعنا القدر من جديد
كانت ليان تقف أمام نافذة غرفتها القديمة، تنظر إلى الشارع الذي لم يتغير كثيرًا منذ آخر مرة رأته فيها. الأشجار نفسها، والمقهى الصغير في آخر الطريق، وحتى المقعد الخشبي الذي كانت تجلس عليه كل مساء ما زال في مكانه.
عادت بعد خمس سنوات، لكنها لم تعد الفتاة نفسها.
كانت تحمل حقيبة صغيرة، وقلبًا أثقل بكثير من تلك الحقيبة.
في صباح اليوم التالي، خرجت ليان لشراء بعض الأشياء. وبينما كانت تسير في الشارع، اصطدمت بشخص يحمل مجموعة من الكتب، فسقط بعضها على الأرض.
انحنت بسرعة لتساعده، لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوته.
“لسه مستعجلة زي زمان.”
رفعت عينيها ببطء.
كان آدم.
الشخص الذي أقنعت نفسها لسنوات أنها نسيته.
ظل ينظر إليها للحظات، وكأن السنوات الخمس الماضية لم تكن موجودة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
“أهلًا يا ليان.”
لم تعرف ماذا تقول.
اكتفت بأن همست: “آدم...”
أعاد الكتب إلى حقيبته، ثم وقف أمامها وقال: “رجعتي؟”
أجابته وهي تحاول إخفاء ارتباكها: “آه.”
“وهتفضلي؟”
نظرت إليه طويلًا قبل أن تقول: “مش عارفة.”
ابتسم وقال: “يمكن المرة دي تعرفي.”
افترقا بعدها، لكن اللقاء القصير ظل يطارد أفكارها طوال اليوم.
وفي الأيام التالية، بدأت الصدف تجمعهما أكثر من مرة. مرة في المقهى، ومرة في المكتبة، ومرة تحت المطر عندما تعطلت سيارة ليان.
وفي إحدى الأمسيات، جلست معه في المقهى القديم الذي اعتادا زيارته في الماضي.
قال آدم وهو ينظر إلى فنجان القهوة أمامه: “تعرفي إيه أكتر حاجة ندمت عليها؟”
سألته: “إيه؟”
“إني وقتها سبتك تمشي من غير ما أقولك إنك كنتِ أهم شخص في حياتي.”
صمتت ليان.
كانت تنتظر تلك الكلمات منذ سنوات، لكنها عندما سمعتها شعرت بالخوف بدلًا من الفرح.
قالت بصوت منخفض: “بس الوقت عدى.”
رد آدم: “الوقت عدى، بس مش كل حاجة انتهت.”
نظرت إليه، وشعرت لأول مرة أن قلبها الذي أغلقته طويلًا بدأ يفتح نافذة صغيرة.
مرت الأيام، وأصبحت لقاءاتهما أكثر دفئًا. لم يحاول آدم أن يعيد الماضي كما كان، بل حاول أن يصنع معها شيئًا جديدًا، شيئًا لا يعتمد على الذكريات وحدها.
وفي ليلة ممطرة، وقفت ليان أمام نفس المقعد القديم.
وصل آدم إليها، ووقف بجانبها.
قالت وهي تبتسم: “غريبة الدنيا.”
سألها: “ليه؟”
“رجعت لنفس المكان، ولقيت نفس الشخص.”
ضحك آدم وقال: “يمكن لأن بعض الحكايات مش بتخلص لما أصحابها يمشوا.”
نظرت إليه وقالت: “وأحيانًا؟”
أجابها: “أحيانًا بتستنى بس إنهم يرجعوا.”
ابتسمت ليان، وشعرت أن قلبها أخيرًا وجد المكان الذي ظل يبحث عنه طوال السنوات الماضية.
لم يكن الحب هذه المرة بداية جديدة تمامًا…
بل كان فرصة ثانية، أكثر نضجًا، وأكثر صدقًا.
وكانت تعرف أن بعض الأشخاص مهما ابتعدنا عنهم، يظل للقدر طريق غريب يعيدهم إلينا في الوقت الذي نكون فيه مستعدين للقائهم من جديد.