"الغرفة رقم ١٣ "

"الغرفة رقم ١٣ "

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about

"الغرفة رقم ١٣ "

مروة كانت بتحس إن العمارة دي "بتتنفس".
مش بمعنى شعري، لأ، كل مرة كانت بتدخل السلم الحجري القديم، كانت بتحس إن في صوت خفيف زي شهقة بتيجي من جوه الحيطان. جوزها، كريم، كان بيقولها إنها متوترة بس عشان الانتقال والديون، وإن العمارة دي "غنيمة" جالهم بإيجار رخيص بسبب سنها بس.
الشقة كانت واسعة، سقوفها عالية، والأثاث القديم اللي سابته العيلة اللي كانت ساكنة قبلهم لسه موجود جزء منه. كل حاجة كانت شبه عادية... غير الباب.
في آخر الصالة، جنب المطبخ، كان فيه باب خشب تقيل اتلون بلون داكن بمرور السنين، مكتوب عليه بخط يدوي قديم رقم "13"، وملفوف عليه سلسلة حديد صدئة ومقفول بقفل نحاسي كبير.
"إيه ده؟" سألت مروة البواب عم حسن يوم ما كانوا بينزلوا العفش.
عم حسن بص للباب وبعدين بصله تاني ببطء، وقالها بصوت واطي: "متفتحيهوش يا هانم. ولا تسأليش عنه. سيبيه زي ما هو."
"بس ده جوه بيتي!"
"سيبيه."


وبعدين مشى، من غير ما يكمل الكلام.
كريم ضحك على الموضوع، قال إنها خرافات بواب عجوز، وإنه هيفتح القفل بنفسه لما يلاقي وقت. بس الأيام عدت، والشغل خد منه كل وقته، والقفل فضل زي ما هو.
بعد أسبوعين، بدأ يحيى، ابنهم اللي عنده ست سنين، يتكلم مع حد.
في الأول مروة فكرت إنه بيلعب لعبة تخيلية عادية زي كل الأطفال. كانت بتسمعه بيضحك في أوضته وبيقول "لأ إنت قولها تاني" أو "طب سيبني ألعب أنا الأول".
"بتلعب مع مين يا حبيبي؟" سألته.
"صاحبي الجديد. اسمه نعيم. بيقولي إنه ساكن ورا الباب اللي في الصالة."
قلب مروة وقف. "يحيى، إنت دخلت جنب الباب ده؟"
"لأ هو اللي بيكلمني من تحت الباب. بيقول إنه وحيد أوي وعايز حد يلعب معاه. بيعرف حاجات كتير يا ماما، بيعرف حاجات عن جدو اللي مات."
مروة حست ببرودة غريبة في جسمها كلها. جدها مات قبل ما يحيى يتولد أصلاً. محدش قاله عنه حاجة.
في الليل، مروة راحت لعم حسن تاني، لوحدها من غير كريم، وقالتله إنها لازم تعرف الحقيقة.
عم حسن قعد على الكرسي بره العمارة، شعل سيجارة بإيد بترجف، وقال:
"العمارة دي بُنيت سنة 1932 على أرض كانت... مش طبيعية. الناس اللي بنوها عملوا حاجة، مش عارف بالظبط إيه، بس عملوها عشان "يحبسوا" حاجة كانت طالعة من تحت الأرض. كل شقق العمارة فيها غرفة زي دي، مقفولة، فيها رموز محفورة جوه من زمان. المفروض تفضل مقفولة للأبد. اللي بيحصل إن كل شوية، وحدة من العائلات اللي بتسكن، حد فيهم -غالبًا طفل- بيبدأ يسمع صوت من وراها. وبعدين... العيلة بتختفي. من غير أثر. ومحدش بيسأل، لأن محدش بيفتكر إنهم كانوا موجودين أصلاً."
"يعني إيه محدش بيفتكر؟!"


عم حسن بصلها بعينين ملهيين. "زي ما هي بتاكل الجسد، بتاكل الذكرى كمان."
في الليلة اللي بعدها، مروة صحيت الساعة 3 الفجر على صوت يحيى وهو بيتكلم في الصالة.
جريت بره، ولقته واقف قدام الباب رقم 13، والسلسلة... مفكوكة، واقعة على الأرض، والقفل مفتوح.
"يحيى!"
يحيى استدار ببطء ناحيتها، وابتسم ابتسامة مش بتاعته، واسعة أكتر من اللازم، وقال بصوت مش صوته:
"ماما، نعيم عايز يقابلك. قالي إنه عارفك زمان."
ومن ورا الباب المفتوح شوية، طلعت رائحة تراب وصدأ، وسمعت مروة نفس اللي كانت بتسمعه من الحيطان أول ما جت العمارة... بس المرة دي، كان جوه البيت.
جوه أوضتها.
وقريب.
مروة اتحركت من غير ما تحس بجسمها. كل خلية فيها كانت بتصرخ "اجري"، بس رجليها كانت شبه مسمرة في الأرض. يحيى لسه واقف قدام الباب، مبتسم، وعنيه... عنيه بقت غريبة. مش عنيه هو.
"يحيى، تعالى لماما. دلوقتي."


الصوت اللي طلع من يحيى كان أعمق من صوت طفل ست سنين:
"هي مش عايزة تيجي لك يا مروة. هي عايزة تيجي لـ بيتها."
كريم صحي على صوتها وهي بتصرخ، ونزل جري من الأوضة. لما شاف يحيى واقف كده والباب مفتوح، اتجمد لحظة، وبعدين اتحرك بسرعة وشد يحيى من إيده بعيد عن الباب.
يحيى وقع على الأرض فجأة، زي ما حد سايبه، وبدأ يعيط بصوته الطبيعي. "ماما... أنا خايف... نعيم قالي تعالى بس أنا مش عايز..."
الباب فضل مفتوح. ومن جواه، ظلمة مش زي أي ظلمة تانية، ظلمة شبه بتشرب الضوء اللي حواليها.
في الصبح، كريم أصر إنهم يقفلوا الباب بأي حاجة يلاقوها، بس القفل كان اتكسر، والسلسلة بقت زي الخردة. جابوا لحام يلحم الباب بالحديد، بس اللحام لما وصل قدام الباب، وشيته أصفر، واعتذر وقال إنه "مش شغال في المكان ده" وطلع من غير ما ياخد فلوسه حتى.
مروة راحت لعم حسن تاني، بس المرة دي مقابلتش عم حسن. مقابلت ابنه، أحمد، اللي قالها إن أبوه "سافر بلده فجأة الفجر" من غير ما يودع حد.
"طب هو قالك حاجة عن العمارة دي؟" سألته مروة بيأس.
أحمد بص حواليه، وبعدين همس: "أبويا كان بيقول إن كل عيلة كانت بتسكن الشقة دي، كان بيصحى فيها طفل بيتكلم مع نعيم. وبعد كده الطفل بيتغير. مش بيصبح شرير، لأ... بيصبح بوابة. وآخر حاجة كانت بتحصل، إن العيلة كلها كانت بتتنقل للغرفة، ومحدش كان بيشوفها تاني."
"يعني إيه محدش كان بيشوفها؟ بيموتوا؟"
"لأ يا هانم. أسوأ من كده. بيفضلوا موجودين. بس مش هنا."
مروة قررت تاخد يحيى وتمشي، فورًا، من غير ما تستنى كريم يرجع من الشغل. بس لما حاولت تفتح باب الشقة الرئيسي، القفل كان شغال عادي، بس الباب نفسه ما كانش بيتحرك، زي ما حد واقف وراه بكل قوته.


"يحيى، خد شنطتك، إحنا رايحين نستنى بابا بره!"
بس يحيى كان واقف تاني قدام باب الـ13، من غير ما حد يلاحظ إمتى راح هناك، والباب فتح لوحده المرة دي، ببطء، وصوت صرير عالي زي صرخة معدنية.
مروة جريت ناحيته، وشدته من كتفه، بس يحيى استدار وعينه كانت سودا بالكامل، من غير بياض ولا بؤبؤ.
"إنتي متأخرة يا مروة،" قال بصوت نعيم من فم يحيى. "الباب اتفتح من زمان. من ساعة ما إنتي دخلتي البيت ده. إحنا كنا بس مستنيين مين فيكم هيبقى الأقرب."
الغرفة ورا الباب متكانتش زي أي غرفة عادية. متكانتش حتى مربعة الشكل، كانت زي ممر بيمتد للأبد، جدرانه فيها رموز بتتحرك وتلمع بلون أحمر خافت، والصوت اللي كانت مروة سامعاه من الحيطان أول يوم، دلوقتي كان زي ألف صوت مع بعض، همهمة وتنفس وصراخ بعيد.
كريم دخل الشقة في اللحظة دي، شاف مروة واقفة قدام الباب وهي بتحاول تشد يحيى للخلف، من غير فايدة. جري ناحيتهم.
"يحيى!! سيبه!!"
بس إيد صغيرة، إيد يحيى، كانت قد إيه قوية دلوقتي، وشدت مروة، مش يحيى، خطوة لجوه الظلمة.
"مش هو اللي إحنا عايزينه،" قال الصوت. "هو بس المفتاح. إحنا عايزين دم البيت. إنتي أم. إنتي البيت الحقيقي."
آخر حاجة كريم شافها، قبل ما الباب يتقفل لوحده بصوت زي انفجار خافت، كانت مروة بتتسحب للظلمة، مش بصراخ، لأ، بابتسامة غريبة على وشها، وعينها بقت زي عين يحيى بالظبط. سودا بالكامل.


يحيى وقع على الأرض، غيبان عليه، ولما صحى بعد ساعتين، ماكانش فاكر حاجة. ولا الباب، ولا نعيم، ولا حتى إن أمه كانت موجودة أصلاً.
لما كريم حاول يبلغ الشرطة، اتفاجئ إن مفيش أي أوراق بتثبت إن مروة كانت موجودة. مفيش شهادة ميلاد، مفيش صور، حتى موبايلها لما فتحه لقاه فاضي من أي أثر ليها.
كأنها اتمسحت من الوجود، مش بس من البيت.
بعد شهر، كريم قرر يبيع كل حاجة ويسيب العمارة. بس قبل ما يمشي بيوم، وهو بيودع الشقة، سمع صوت من الصالة. الباب رقم 13 كان مقفول زي الأول، بالسلسلة والقفل، عادي جدًا، زي ما محصلش حاجة.
بس تحت الباب، كان فيه صوت خفيف بيهمس، صوت امرأة، بيقول:
"كريم... يحيى وحيد أوي... محتاج حد يلعب معاه..."
كريم بص لابنه يحيى اللي كان واقف جنبه، شايل شنطته، من غير أي فكرة عن اللي حصل.
يحيى ابتسم فجأة، ابتسامة واسعة أوي.
"بابا، مين نعيم؟"
- النهاية -

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد انس تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-