رحلة بين الواقع والخيال: حين يفتح الورق أبوابه
رحلة بين الواقع والخيال: حين يفتح الورق أبوابه
بقلم: سمر رمضان

كلما رفعتُ عينيّ ونظرتُ من النافذة إلى ذلك المكان، ينتابني الشعور ذاته. ذاك البيت القديم والشجرة العتيقة الرابضة أمامه لا يكفان عن إيقاظ الذكريات؛ يلوحان لي كشريط دافئ من أيامٍ مضت، بكل ما فيها من نبل وجمال.
أرتدي بساطة روحي، وأتطلع إلى الأفق، فتخرج مني تنهيدة قصيرة؛ زفيرها حنينٌ لما كان، وشهيقها استحضارٌ لكل لحظة دافئة عشتها. تراجعتُ خطوتين إلى الخلف، هناك حيث تنتظرني طاولتي المستديرة ومقعدي الخشبي. جلتُ ببصري على الورق الأصفر العتيق الملقى عليها، أخذتُ نفسي وجلست، ثم تناولتُ القلم.
تحسستُ ملمس الورق الناعم، واستمعتُ لصوت حفيف سنّ القلم وهو يخدش صمت الصفحة برقة. تتزاحم الأفكار في رأسي بلا نظام، ولا أدري من أي باب أدخل إلى عالمي.. ولا من أين أبدأ أو ماذا سأكتب، بل لا أعرف حتى أين ستأخذني هذه السطور، وما هي الأحداث التي تنتظرني في المنتصف أو كيف ستكون النهاية.
كل ما أعرفه في هذه اللحظة هو أنني أردتُ أن أكتب فقط.. أن أفرغ ما بي حتى وإن خرجت الكلمات غير مرتبة أو بلا معنى ظاهر، وأن القلم وحده هو الذي يعرف الطريق. هناك سحرٌ غريب يجذبني إلى هذا الورق، يعزلني عن ضجيج الواقع ويأخذني إلى عالمٍ آخر أشعر بالانتماء فيه أكثر من أي مكان آخر.
هنا فقط أجد نفسي، حيث لا مبررات، ولا أحكام قاسية، ولا كذب ولا خداع.. هنا فقط أكون أنا ببساطتي وعفويتي، حيث لا وجود للأقنعة، ولا مكان للتكلف.
في عالمي ذاك تحلق روحي مثل الفراشات، وتنشر عبيرها كالورود، وتتفتح مثل الزهور يداعبها النسيم وتظللها الأغصان، وتبهجها الشمس بأشعتها الدافئة.
فجأة ومن غير سابق إنذار، جذبني الورق العتيق إلى داخله لأجد نفسي عالقة في عالمٍ لا أُميّز فيه بين الواقع والخيال!
اتسعت حدقتا عينيّ إلى آخرهما وظهرت أمامي علامة استفهام كبيرة، وكأن هذا العالم يترجم ما في ذهني ويجسده أمامي، لأجد ذلك السؤال مكتوباً بخط عريض:
"هل هذا العالم حقيقي؟"
ليس عالم "رودي والطباشير" بل عالم آخر.. عالم الخيال والإبداع. رودي كان يرسم بالطباشير ويدخل إلى عالمه برسم دائرة صغيرة به، كان يرى فيه رسوماته؛ القبيحة منها تهاجمه كالوحوش الضارية، والجميل منها يساعده كشهاب صديقه الطباشيري.
لكن عالمي كان مختلفاً، وإن كان فيه الجيد والرديء، الجميل والقبيح، والمحزن والمفرح، إلا أنني أنا من أتحكم فيه وأخطه بيدي، أنا من أجعله عالماً مشرقاً كالشمس، أو مرعباً أو كئيباً، أو فلسفياً فانتازياً، أو مثيراً وغامضاً!
هناك كانت تتجسد الرسومات، وفي عالمي تتجسد الكلمات والمشاعر والعوالم والصفات.
مشيتُ إلى حيث تأخذني قدمي، فرأيتُ القصور والبيوت المتهالكة، والجبال الشاهقة والشلالات، رأيت القفار والصحاري، والمروج الخضراء والحدائق الغنّاء.
كل ذلك رأيته بعين قلبي ونسج خيالي. فخرجتُ من ذاك العالم وأنا أوقن بأننا نحن من نصنع عوالمنا، ونحن من نجعلها سعيدة أو كئيبة، نحن من نختار ماذا نكون وكيف نكون، نحن من نجعل حياتنا كالمروج الخضراء والحدائق الغنّاء، أو نجعلها كالصحاري القاحلة.
نحن من نملك الاختيار، ولكننا نخشى الاختيار؛ إما بدافع الخوف، أو بدافع الاضطرار.. ليس لأننا لا نملك الإرادة، بل لأننا ليس لدينا الشجاعة لإعمال هذه الإرادة.