اعظم الرجال ابى

اعظم الرجال ابى

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

نظرتى له وانا صغير

 كنتُ في صغري ساخطًا على كل شيء؛ ساخطًا على أبي حين يعود من عمله وثيابه مبللة بالعرق، وعلى بيتنا الضيق، وعلى قلة المال، وحتى على الطعام الذي لم يكن يوافق هواي. كنت أنظر إلى أترابي، فأرى آباءهم يكسونهم الجديد، ويملؤون أيديهم بالهدايا، ثم أعود إلى نفسي فأقول في غفلة الصغير: لماذا أنا؟ ولماذا كانت حياتنا على هذه الحال؟

أذكر يومًا تمنيت فيه حذاءً مثل الذي كان يلبسه أصحابي. فلما عاد أبي من عمله، أخرج لي حذاءً رخيصًا اشتراه من سوق الجمعة. أخذته بيدي، ثم ألقيته بعيدًا وقلت له في جفاء: «لا أريده».

لم يجبني أبي بكلمة.

ولكنني رأيت في عينيه يومها شيئًا لم أفهمه، كسرةً صغيرةً عبرت وجهه ثم اختبأت، وبقيت أنا أحملها في قلبي حتى اليوم.

وأذكر يومًا قالت فيه أمي: «الأولاد أنفسهم في اللحم». وفي الغد عاد أبي باللحم، ففرحت كما يفرح الصغير بما يشتهي، ولم أسأل نفسي يومها: من أين جاء به؟ وكيف استطاع أن يشتريه؟

image about اعظم الرجال ابى

ثم كبرت، وعرفت أن أبي باع خاتمًا ظل في يده سنين، ليشتري لنا طعامًا يأكله أولاده، ثم ينام هو وفي يده فراغٌ أثقل من الحديد.

كنت صغيرًا أحلم بحياة أخرى؛ بيتٍ أوسع، ومالٍ أكثر، وأبٍ أقدر على أن يمنحني ما أراه في أيدي الآخرين.

نظرتى له فى الكبر 

ثم كبرت… فعرفت أنني كنت أطلب من الرجل أن يصنع المعجزات، وهو بالكاد يجد في جسده بقيةً من قوة ليواصل الطريق.

عرفت أن أبي لم يختر فقره، ولم يختر ضيق عيشه، ولم يختر أن يعود كل مساءٍ يحمل التعب على كتفيه كما يحمل المسافر حقيبته. كان يحملنا نحن، ويحمل فوقنا همومًا لو وُضعت على جبلٍ لأثقلته حتى يخرَّ صريعًا.

وعرفت متأخرًا أن الرجل الذي كنت أراه يومًا قليلًا، كان هو الكثير كله؛ وأن اليد التي خجلتُ من خشونتها، كانت اليد التي بنت لي مستقبلًا لم أكن أراه.

وكلما تذكرت تلك الأيام اليوم، بكيت.

لا أبكي فقرنا، بل أبكي جهلي. أبكي قسوتي على رجلٍ كان قلبه ألين من أن يحتملها، وأبكي عمرًا كاملًا من التضحية لم أكن أملك يومها عقلًا يقدّر ثمنه.

وأشد ما يطاردني من ذكريات أبي، أنه كان يعود ليلًا، فيجلس على الأرض، ويمد يده إلى الطعام معنا، فإذا سألناه: «ألن تأكل يا أبي؟» قال: «أنا شبعان من رائحة الطعام بينكم».

وكان جائعًا.

ولكنه كان يخشى أن تزاحمنا يده على لقمة.

يا أبي، كم من مرةٍ شبعتَ أنت من النظر إلينا ونحن نشبع، وكم من مرةٍ جعلتَ من جوعك خبزًا على موائدنا، ومن تعبك راحةً في أجسادنا، ومن عمرك جسرًا عبرنا عليه إلى الحياة!

اليوم، لم أعد ساخطًا…

بل صرت ممتنًا.

image about اعظم الرجال ابى

ممتنًا لكل ثوبٍ عاد إليك غارقًا في العرق، ولكل يدٍ تشققت من العمل، ولكل رغبةٍ دفنتها في صدرك كي تُبقي لنا رغباتنا حيّة.

ولذلك، إذا رأيتَ نفسك يومًا تنظر إلى أبيك وتقول: لماذا لا يشتري لي ما يشتريه آباء أصدقائي؟ لماذا لا نعيش مثلهم؟ فلم تعجل باللوم.

انظر إلى يديه قبل أن تنظر إلى ما في أيدي الناس، وانظر إلى عينيه قبل أن تنظر إلى بيوتهم.

فربما كان أبوك يخوض من أجلك حربًا لا تراها، ويخسر كل يومٍ شيئًا من عمره، ليكسب لك يومًا واحدًا من الراحة.

وقد يبدو ما يعطيك إياه قليلًا في عينك، لأنك لا ترى الثمن الذي دفعه.

واخيرا 

اذا كبرت يومًا، ستعرف أن بعض الآباء لا يمنحون أبناءهم المال، بل يمنحونهم أعمارهم كاملة.

وحينها فقط ستفهم أن أباك لم يكن رجلًا فقيرًا كما كنت تظن…

بل كان رجلًا غنيًا بالحب، حتى أفنى كل ما يملك في سبيلك.

فإذا أردت أن تعرف مقدار ما فعل أبوك من أجلك، فلا تنظر إلى ما أعطاك إياه…

انظر إلى ما حُرم منه كي يعطيك.

ثم انظر في عينيه طويلًا.

سترى هناك حكاية عمرٍ كامل…

عمرٍ لم يعشه لنفسه، بل دفنه فيك.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
amira Saber تقييم 4.98 من 5.
المقالات

73

متابعهم

75

متابعهم

32

مقالات مشابة
-