في هذا المقال
البيت اللي بيصحى بعد نص الليل
الفصل الأول: سر البيت المهجور
في أطراف قرية صغيرة محاطة بالأراضي الزراعية، كان فيه بيت قديم واقف لوحده وسط مساحة واسعة من الأرض البور. البيت كان مكوّن من دورين، جدرانه متشققة، وشبابيكه الخشبية مكسورة، وبابه الحديدي مليان صدأ، وكأن الزمن نسيه تمامًا.
أهل القرية كانوا بيسموه «بيت العتمة».
محدش كان بيقرب منه بعد المغرب، وحتى الأطفال كانوا بيخافوا يعدوا من الشارع اللي قدامه. وكانت فيه حكاية مشهورة بين الناس بتقول إن أي شخص يسمع صوت خبط جاي من البيت بعد الساعة اتناشر بالليل، لازم يجري ومايلتفتش وراه مهما حصل.
لأن اللي هيلتفت، البيت هيعرف شكله.
واللي البيت يعرف شكله، عمره ما هيعيش حياته زي الأول.
يوسف، شاب عنده سبعة وعشرين سنة، رجع قريته بعد غياب طويل بسبب وفاة أمه. كان شغال في القاهرة، ومكانش بيؤمن بالخرافات، وكان شايف إن أهل القرى بيحبوا يضخموا أي حكاية غريبة.
في أول ليلة ليه في القرية، كان قاعد مع عمه في الشرفة، وفجأة سمع صوت ست بتصرخ من بعيد.
الصوت كان جاي من ناحية البيت المهجور.
يوسف بص لعمه وقال باستغراب:
«إيه الصوت ده؟ فيه حد جوه البيت؟»
عمه سكت، ووشه اتغير لدرجة إن يوسف حس إن السؤال نفسه كان غلط.
بعد لحظات، عمه مسك إيده بقوة وقال:
«اسمعني يا يوسف، مهما سمعت من البيت ده، إوعى تقرب منه. ولو سمعت صوت أمك بتنادي عليك، ماتردش عليها.»
يوسف اتجمد مكانه.
«أمي؟ إنت بتقول إيه؟»
عمه ساب إيده، وقام دخل البيت من غير ما يرد.
وفي الليلة دي، يوسف لأول مرة حس إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل في القرية.
الفصل الثاني: أول زيارة
فضل كلام عمه يلف في دماغ يوسف طول الليل. إزاي ممكن يسمع صوت أمه وهي ماتت من أسبوع؟ وليه عمه حذره تحديدًا من الصوت ده؟
قرر إنه يكتشف الحقيقة بنفسه.
في الليلة التالية، استنى لحد الساعة الحادية عشرة والنصف، وأخذ كشاف صغير وموبايله، وخرج من البيت بهدوء. كان الشارع فاضي، والهواء بارد بشكل غريب، رغم إن الجو في النهار كان دافي.
كل ما كان يقرب من البيت، كان صوت الكلاب بيختفي واحدًا وراء التاني، لحد ما وصل قدام الباب الحديدي، ومابقاش سامع غير صوت أنفاسه.
دفع الباب بإيده.
صدر صوت صرير طويل، وكأن حد جوه البيت كان بيصرخ بصوت مكتوم.
دخل يوسف.
ريحة تراب ورطوبة كانت مالية المكان، وعلى الأرض طبقة سميكة من التراب، لكن الغريب إنه شاف آثار أقدام واضحة، كأن شخصًا دخل البيت قبله بدقايق.
المشكلة إن آثار الأقدام كانت جاية من الباب، ورايحة ناحية السلم.
لكن مافيش أي آثار راجعة.
رفع الكشاف ناحية الحيطة، فشاف مجموعة صور قديمة لأشخاص مجهولين. كل الصور كانت بالأبيض والأسود، ووشوش أصحابها شاحبة، وعيونهم ثابتة على الكاميرا.
وفجأة، سمع صوت خبط جاي من الدور العلوي.
ثلاث خبطات.
ثم صمت.
وبعدها صوت امرأة هامس:
«يوسف...»
وقع الكشاف من إيده.
الصوت كان صوت أمه بالضبط.
نفس الحنان، نفس الطريقة اللي كانت بتناديه بيها وهو صغير، ونفس النبرة اللي سمعها آخر مرة قبل ما تدخل المستشفى.
«يوسف، حبيبي... تعالى لي.»
دموعه نزلت من غير ما يحس، ورجله اتحركت ناحية السلم رغمًا عنه.
كان عارف إن أمه ماتت.
لكن الصوت كان حقيقيًا لدرجة تخليه يشك في كل حاجة كان مؤمن بيها.
وصل إلى أول درجة في السلم، وفجأة لاحظ صورة معلقة على الحيطة.
قرب منها ببطء.
كانت صورته هو.
مش صورة قديمة، ولا صورة من طفولته.
كانت صورة حديثة ليه، بنفس القميص اللي لابسه، وبنفس الخدش الموجود فوق حاجبه، اللي اتعرض له قبل يومين في القاهرة.
وتحت الصورة كان مكتوب بخط أسود:
«يوسف عبد الرحمن — الليلة الأخيرة: الجمعة.»
بص على شاشة موبايله.
كانت الساعة 11:59 من مساء الخميس.
يعني فاضل دقيقة واحدة على يوم الجمعة.
وفي اللحظة دي، اتقفل باب البيت بعنف.
الفصل الثالث: اللي واقف في آخر الممر
يوسف جري ناحية الباب، لكنه لقى الباب مقفول، وكل ما شده كان الحديد بيتحرك كأنه متثبت في الحيطة من الناحيتين.
وفجأة، سمع صوت ساعة قديمة بتدق.
دقة واحدة.
اتنين.
تلاتة.
لحد ما وصلوا لاتناشر دقة.
وبمجرد ما الدقة الأخيرة انتهت، كل الصور اللي على الحيطة وقعت مرة واحدة.
ماعدا صورته.
رفع الكشاف بإيد بتترعش، وبدأ يطلع السلم. كان فيه إحساس غريب بيشده لفوق، وكأن حد ماسك قلبه وبيسحبه ناحية الدور التاني.
وصل للممر، ولقى أربع أبواب. أول باب كان مفتوحًا قليلًا، والتاني كان مقفولًا بسلسلة حديد، والتالت كان عليه علامات سوداء غريبة، أما الباب الرابع فكان آخر الممر، وتحته نور أصفر ضعيف.
ومن وراه، سمع صوت أمه مرة تانية.
«يوسف، أنا بردانة يا حبيبي... افتح لي.»
قرب من الباب، وحط إيده على المقبض.
لكن قبل ما يفتحه، افتكر كلام عمه: «لو سمعت صوت أمك بتنادي عليك، ماتردش عليها.»
رجع خطوتين لورا.
وفجأة، الصوت الهادئ اتحول إلى بكاء هستيري.
«إنت نسيتني يا يوسف؟! أنا أمك! أنا اللي ربيتك! افتح الباب!»
يوسف حط إيده على ودانه، وبدأ يقرأ أي آيات حافظها، لكنه سمع صوت خربشة من الناحية التانية للباب.
خربشة بطيئة.
كأن أظافر طويلة بتجر نفسها على الخشب.
وبعدها الصوت سكت تمامًا.
مرّت ثوانٍ من الصمت.
ثم جاء صوت مختلف، صوت رجل عجوز أجش، قال من خلف الباب:
«شاطر... إنت ما فتحتش. بس إنت طلعت فوق، وده كان كل اللي إحنا محتاجينه.»
في اللحظة دي، النور الأصفر انطفى.
والكشاف اللي في إيد يوسف بدأ يضعف، لحد ما نور الممر كله اختفى.
سمع صوت خطوات بتتحرك في الظلام.
خطوة.
ثم خطوة تانية.
لكن الصوت ماكانش جاي من قدامه.
كان جاي من وراه.
لف يوسف بسرعة، وسلط الكشاف على آخر الممر.
كان فيه شخص واقف عند السلم.
طويل بشكل غير طبيعي، لابس جلابية سوداء قديمة، ووشه مختفي تمامًا تحت غطاء أسود. إيديه كانت أطول من الطبيعي، وأصابعه بتلمس الأرض رغم إنه واقف مستقيم.
يوسف حاول يصرخ، لكن صوته ماطلعش.
الشخص الغريب رفع راسه ببطء، وقال:
«أمك مستنياك تحت.»
وبعدين اختفى.
مش جري، ولا دخل أي غرفة.
اختفى كأنه ماكانش موجود أصلًا.
يوسف مااستناش ثانية واحدة. جري ناحية السلم، ونزل وهو بيتعثر في درجاته، لحد ما وصل للدور الأرضي.
لكن لما وصل، اكتشف إن البيت اتغير.
الحيطان بقت جديدة، والأرض نظيفة، والنجفة القديمة اللي كانت مكسورة بقت بتنور بضوء دافئ.
وفي وسط الصالة، كانت فيه سفرة عليها أكل ساخن.
وأمه قاعدة على الكرسي، بنفس شكلها قبل المرض، وشعرها متسرح، ووشها مبتسم.
قالت له:
«تعالى يا حبيبي، أنا عملت لك الأكل اللي بتحبه.»
يوسف وقف مكانه.
كان نفسه يجري عليها ويحضنها، حتى لو للحظة واحدة بس. كان نفسه يسمع صوتها من غير أجهزة المستشفى، ويشوف ابتسامتها من غير ألم.
لكن فيه حاجة واحدة كانت غلط.
أمه كانت مبتسمة، لكن عينيها ماكانوش بيرمشوا.
ولا مرة واحدة.
الفصل الرابع: الحقيقة المدفونة
يوسف رجع خطوة لورا، وقال بصوت مبحوح:
«إنتِ مش أمي.»
الابتسامة فضلت على وشها، لكن رأسها بدأ يميل ناحية كتفها ببطء شديد.
«ليه بتقول كده يا يوسف؟»
«أمي ماتت.»
في ثانية واحدة، اختفت الابتسامة.
وشها بقى شاحبًا، وعينيها اسودّوا بالكامل، وابتدت رقبتها تطول بشكل مستحيل، لحد ما راسها بقت مائلة بزاوية مرعبة.
«ماتت؟» همست.
ثم ضحكت.
ضحكة طويلة، متقطعة، خرجت منها أصوات كأن عشرات الأشخاص بيضحكوا في نفس الوقت.
«أمك ماتت من زمان يا يوسف... قبل ما تتولد إنت أصلًا.»
الأرض تحت رجليه بدأت تهتز، والسفرة انقلبت، والأكل تحول إلى طين أسود. الحيطان اتفتحت فيها شقوق، وظهرت من جوه الشقوق عشرات الأيدي الشاحبة، بتحاول تمسك فيه.
صرخت الكائنات بصوت واحد:
«افتح الباب! افتح الباب!»
وفجأة، سمع صوت عمه من ناحية المدخل:
«يوسف! اجري ناحية النور! ماتسمعش كلامها!»
كان عمه واقفًا عند الباب، ماسك فانوس قديم، ووشه مليان رعب.
يوسف جري ناحيته، لكن الكائن اللي واخد شكل أمه مد إيده الطويلة ومسك رجله.
وقع يوسف على الأرض، وبدأ يتسحب ناحية الظلام.
عمه رمى الفانوس، والنور انفجر في الصالة، وخرجت منه ومضة بيضاء قوية.
الكائن صرخ، وصوته هز البيت كله.
إيده سابت يوسف.
عمه مسكه من هدومه وجره ناحية الباب، والاتنين خرجوا إلى الشارع في اللحظة اللي بدأت فيها شبابيك البيت تتكسر، والحيطان تطلع منها أصوات بكاء وصراخ.
أول ما يوسف خرج، وقع على الأرض وهو بياخد نفسه بصعوبة.
بص للبيت.
كل حاجة رجعت زي ما كانت: جدران متشققة، شبابيك مكسورة، وباب حديد صدئ.
لكن كان فيه شيء جديد.
في شباك الدور التاني، كان فيه شخص واقف.
طويل.
لابس أسود.
ووشه مغطى.
رفع إيده ببطء، ولوّح ليوسف كأنه بيودعه.
وبعدين أشار بإصبعه إلى صدر يوسف.
يوسف بص لنفسه، فلقى على قميصه علامة سوداء، على شكل كف إيد صغيرة.
عمه شاف العلامة، ووشه اصفر.
وقال بصوت ضعيف:
«يا نهار أسود... هو علّم عليك.»
الفصل الخامس: السر اللي عمه خبّاه سنين
رجع يوسف مع عمه إلى البيت، لكنه رفض يدخل غرفته، وفضل قاعدًا في الصالة لحد ما الشمس طلعت.
مع أول ضوء للنهار، سأله يوسف:
«إنت عارف إيه عن البيت ده؟ وليه الكائن ده كان بيناديني باسمي؟»
عمه فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها فتح درجًا قديمًا وطلع منه ظرفًا أصفر مليان أوراق وصورة عائلية باهتة.
حط الصورة قدام يوسف.
كانت الصورة لوالده ووالدته وعمه، واقفين قدام نفس البيت المهجور، لكن البيت في الصورة كان جديدًا، والنوافذ مضيئة، والباب مفتوحًا.
الغريب إن الصورة كانت متصورة سنة 1985.
والأغرب إن يوسف لاحظ طفلًا صغيرًا واقفًا في الخلفية، عند شباك الدور الثاني.
كان الطفل شبهه تمامًا.
قال يوسف بذهول:
«إزاي؟ أنا اتولدت سنة 1999!»
عمه غمض عينيه وقال:
«لأن الحكاية دي بدأت قبل ما تتولد. أبوك كان واحدًا من الناس اللي حاولوا يكتشفوا سر البيت. في ليلة دخل هو وأمك المكان ده، ورجع أبوك لوحده. ومن يومها، أمك فضلت تقول إنها سمعت صوت طفل بيعيط جوه البيت، وإن الطفل ده كان بيناديها باسمها.»
يوسف حس ببرودة تسري في جسمه.
«وبعدين؟»
عمه بص له بعينين مليانين دموع.
«بعد سنين، أمك خلفتك. لكن قبل ولادتك بأيام، أبوك اختفى. ومن وقتها، أمك كانت بتحلم بنفس الحلم كل ليلة: إنك واقف في آخر ممر طويل، وفيه حد بيناديك من وراء باب أسود.»
سكت عمه لحظة، ثم أكمل:
«البيت ده مش مجرد بيت مسكون. هو مكان بيحتفظ بأصوات الناس اللي فقدوا أحبابهم، وبيستخدم الأصوات دي عشان يجذبهم. واللي يدخل قلبه، بيسيب جواه جزءًا منه، حتى لو خرج حي.»
يوسف بص إلى العلامة السوداء على صدره.
«يعني أنا هموت؟»
عمه ما ردش.
وفي اللحظة دي، رن موبايل يوسف.
رقم مجهول.
رد، فسمع صوت أمه هامسًا:
«يوسف... ماتصدقش عمك.»
ثم صوت خبط.
ثلاث خبطات بالضبط.
وبعدها همسة أخيرة:
«هو اللي فتح الباب أول مرة.»
يوسف رفع عينيه ناحية عمه.
كان عمه واقفًا في مكانه، ووشه خاليًا من أي تعبير.
ثم ابتسم.
لكن ابتسامته كانت واسعة بشكل غير طبيعي.
وقال بصوت مش صوته:
«كان لازم تعرف الحقيقة في يوم من الأيام.»
وفجأة، انطفأت كل أنوار البيت.
ومن داخل الظلام، سمع يوسف صوت الباب الحديدي وهو بيتفتح ببطء.
ثم صوت أمه، من بعيد جدًا:
«تعالى يا حبيبي... المرة دي، مش هسيبك تمشي.»
الفصل السادس: البيت اللي مالوش مكان
يوسف حاول يجري ناحية الباب، لكن رجليه ماقدرتش تتحرك. كان حاسس إن الأرض بتسحبه، وإن العلامة السوداء على صدره بتتحرك تحت جلده، كأن فيه حاجة حية بتحاول تخرج منه.
سمع صوت عمه يضحك في الظلام.
ثم صوت خطوات بتقرب منه.
يوسف صرخ:
«إنت مين؟!»
جاءه الرد من كل اتجاه:
«أنا اللي كنت مستنيك من يوم ما اتولدت.»
وفجأة، ظهر نور ضعيف عند نهاية الصالة. كان نور الفجر، لكن شكله كان بعيدًا جدًا، كأن البيت بقى أكبر من حجمه الطبيعي.
يوسف جري ناحية النور بكل قوته.
خلفه، كانت الأصوات بتتعالى.
صوت أمه.
صوت أبوه.
صوت أطفال بيعيطوا.
وأخيرًا، صوت عمه الحقيقي، بيصرخ:
«ماترجعش تبص وراك! مهما سمعت، ماترجعش!»
يوسف افتكر التحذير الأول اللي سمعه في القرية، وفضل يجري من غير ما يلتفت.
وصل إلى الباب واندفع خارجه.
وقع على الأرض وسط الشارع، وكان الفجر بدأ يطلع.
رفع رأسه بسرعة، لكنه ما شافش البيت.
كل اللي كان موجودًا أرض فضاء واسعة، وفي منتصفها باب حديدي صدئ واقف لوحده، من غير جدران أو سقف.
أما عمه، فلم يكن موجودًا.
يوسف حاول يطلب المساعدة من أهل القرية، لكن محدش صدقه. بعضهم قال إنه كان بيحلم، والبعض الآخر نصحه إنه ينسى اللي حصل ويرجع القاهرة.
رجع يوسف إلى منزله القديم، وأقفل الأبواب والشبابيك، وقرر إنه مش هيتكلم عن اللي شافه أبدًا.
لكن في الليلة التالية، الساعة 11:59، سمع صوت خبط على باب شقته.
ثلاث خبطات.
وقف مكانه، وقلبه بيدق بعنف.
ثم سمع صوت أمه:
«يوسف... افتح لي يا حبيبي.»
رجع لورا، وبدأ يردد لنفسه إنها مش أمه، وإنه لازم يتجاهل الصوت.
لكن الصوت اتغير فجأة.
بقى صوت طفل صغير بيعيط.
وبعدها سمع صوت عمه يقول:
«يوسف، افتح بسرعة! أنا عارف إزاي نخلصك منه!»
يوسف قرب من الباب بحذر، وبص من العين السحرية.
كان عمه واقفًا في الخارج، ووشه مرهق، وهدومه مليانة تراب.
قال عمه:
«افتح يا يوسف، مافيش وقت.»
يوسف حط إيده على المقبض، لكنه لاحظ حاجة خلت الدم يتجمد في عروقه.
عمه كان واقفًا وظهره للباب.
وكانت رجلاه متجهتين إلى الخلف.
يوسف رجع خطوة لورا.
وفجأة، عمه لف رأسه بالكامل ناحية الباب، من غير ما يحرك جسمه.
وقال بابتسامة مرعبة:
«أنا عارف إنك شايفني.»
النور انطفى.
وسمع يوسف صوت خربشة طويلة على الباب، كأن عشرات الأظافر بتحاول تشق طريقها إلى الداخل.
ثم جاء صوت هامس من خلفه، من داخل الشقة نفسها:
«أحسنت... المرة دي ما فتحتش.»
يوسف استدار ببطء.
كان فيه ظل طويل واقف في منتصف غرفته.
ظل بلا وجه.
وبلا عينين.
لكنه كان بيبتسم.
النهاية: الدور عليك
في الصباح، اختفى يوسف.
لم يجد الجيران أي أثر له داخل الشقة. الأبواب كانت مقفولة من الداخل، والشبابيك لم تُفتح، ولم تكن هناك أي علامة على اقتحام المكان.
الشيء الوحيد الذي وجدوه كان صورة قديمة معلقة على الحائط.
صورة ليوسف واقفًا أمام بيت العتمة.
وتحت الصورة، كُتبت عبارة بخط أسود:
«الليلة الأخيرة: الجمعة.»
ومن يومها، بدأت حكاية جديدة تنتشر بين سكان القرية.
كانوا يسمعون كل ليلة، عند الساعة الثانية عشرة تمامًا، صوت شاب بيخبط على الأبواب، ويترجى الناس أن يفتحوا له.
وكان يقول بصوت مليان خوف:
«افتحوا لي... أنا يوسف... أنا لسه عايش!»
وفي كل مرة، كان الصوت يبتعد تدريجيًا، لحد ما يختفي تمامًا.
إلا في بيت واحد.
بيت امرأة عجوز كانت عايشة لوحدها.
في الليلة السابعة، سمعت المرأة الخبط، فقربت من الباب وسألت:
«مين؟»
جاءها صوت شاب يبكي:
«أنا يوسف يا حاجة... أرجوكي افتحي، فيه حاجة بتطاردني!»
المرأة حطت إيدها على المقبض.
لكن قبل ما تفتحه، سمعت صوتًا ثانيًا من الناحية الأخرى، صوتًا عميقًا أجش، يقول بهدوء:
«ماتفتحيش يا حاجة... أنا يوسف الحقيقي.»
المرأة رجعت خطوة لورا.
وفي اللحظة دي، بدأ المقبض يتحرك لوحده.
ثم جاءها صوت ثالث، من داخل غرفتها، خلف ظهرها مباشرة:
«اختاري واحدًا بس... لأن التاني مش إنسان.»
ومن يومها، محدش في القرية بقى يفتح بابه بعد نص الليل.
لأن أهل القرية عرفوا أخيرًا أن بيت العتمة مش محتاج جدران عشان يكون موجودًا.
البيت كان بيدوّر على مكان جديد يسكنه…
ويمكن يكون اختارك إنت كمان.
تابع جديد Hamo
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق