في هذا المقال
صدى الباب الموارب
لغز المقبره
كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل بقليل، والريح الخريفية تعصف في الخارج بصوت يشبه الأنين. في غرفتها الهادئة، كانت «حنين» جالسة أمام حاسوبها المحمول، تحاول عبثاً التركيز على معالجة بعض الصور الفوتوغرافية الخاصة بعملها. لكن ذهنها لم يكن مع اللقطات الفنية، بل كان أسيراً لكابوس مرعب يتكرر معها بانتظام منذ أسبوع كامل.
في ذلك الحلم، كانت تجد نفسها تقف أمام بوابة مقبرة قديمة مهجورة، بابها الحديدي الصدئ يرتجف ببطء، ويخرج منه صوت نسائي خافت يناديها باسمها بنبرة مشبعة بالحزن: «يا حنين.. تعالي، لابد أن تري ما خلف الباب».
كانت ت استيقظ كل ليلة غارقة في عرقها البارد، وتتساءل عما يعنيه هذا الهاجس الغريب. ولم تكن تشك يوماً أنها ستجد نفسها تحرك سيارتها في تلك الساعة المتأخرة، وتتجه نحو أطراف المدينة حيث تقع المقابر القديمة، المكان الذي يتجنب الجميع الاقتراب منه حتى في وضح النهار.
رحلة إلى قلب المجهول
ركنت «حنين» سيارتها على مسافة بعيدة، وترجلت بخطوات مرتعشة. كان السكون يلف المكان برهبة مطلقة، ولا يقطع صمت الليل سوى حفيف الأشجار الجافة ووقع خطواتها المتثاقلة على التراب. رفعت كاميرتها المجهزة بعدسة التصوير الليلي، وأضاءت كشافها اليدوي الصغير.
كلما تقدمت إلى الداخل، كانت روائح التراب القديم والبخور العتيق تزداد كثافة. وبين الشواهد الحجرية المترامية هنا وهناك، ظهر لها ما دبت لأجله الرعب في قلبها؛ الباب الحديدي الموارب للمقبرة التي طالما زارتها في أحلامها!
اقتربت «حنين» بخطوات تثقلها رهبة المكان، ووجهت شعاع الكشاف نحو عتمة الدرج الحجري الهابط إلى جوف الأرض. وفجأة، ترددت أصداء صوت همس خفيف من الأعماق:
«لقد طال انتظارك يا حنين.. هلمي إلينا».
أرادت أن تفر هاربة، لكن قدماها كانتا مسامرتين في الأرض. وعندما سلطت الضوء أكثر على أول درجة حجرية في الأسفل، لمع شيء صغير وخاطف للنظر. مدت يدها بتردد، ووجدت قلادة فضية قديمة نصف مغطاة بالتراب.
المفاجأة المرعبة
توقف قلبها عن البكاء للحظة وتجمد الدم في عروقها؛ لم تكن هذه القلادة سوى قطعتها المفضلة التي فقدتها في ظروف غامضة وهي لا تزال طفلة صغيرة لا تتجاوز السابعة من عمرها، وذلك بالقرب من هذه المنطقة تحديداً، ومنذ ذلك الحين لم تعثر عليها أبداً!
كيف وصلت هذه القلادة إلى هنا بعد كل هذه السنين؟ وفي تلك اللحظة بالضبط، سمعت صوت خطوات بطيئة ومتقطعة تصعد السلم الحجري من الظلمات حالكة السواد نحو الأعلى، كأن أحدهم يقترب منها تدريجياً.
فقدت «حنين» صوابها من شدة الخلع، واستدارت لتطلق العنان لساقيها، راكضة بأقصى سرعة ممكنة نحو مخرج المقابر. شعرت بأنفاس باردة تمر بجانب عنقها، وكأن يداً خفية تكاد تلامس خصلات شعرها. فتحت باب سيارتها، ألقت بنفسها في الداخل، وضغطت على دواسة الوقود بجنون لتغادر المكان وهي تبكي بانهيار.
النهاية المعلقة
وصلت إلى منزلها، فأوصدت الأبواب خلفها بإحكام، ودخلت غرفتها محاولة إقناع نفسها بأن ما حدث لم يكن سوى نوبة هلع أو هلاوس بصرية ناتجة عن التعب. لكن النبض العنيف في صدرها توقف تماماً عندما فتحت راحة يدها اليمني التي كانت تطبق عليها بقوة طوال طريق الرعب؛ لتجد القلادة الفضية مستقرة بداخلها تماماً!
منذ تلك الليلة، لم تعد «حنين» تنام بعمق أبداً. وكلما نظرت إلى القلادة الموضوعة أمامها على المنضدة، أدركت أن جزءاً من روحها قد بقي محبوساً هناك، في تلك العتمة، بانتظار عودة لا بد منها.
تابع جديد Malak Hany
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق